2019-04-17 09:12:00


من المعلوم بأنه لا حياة للأفكار من دون الكلمات وأن علاقة الإنسان بوجوده هي علاقة لغوية.

فاللغة لم تعد كما كانت في الماضي مجرد تمثل للأشياء، بل أصبحت إمكاناً للوجود بقدر ما تجسد بيئة للفكر أو وسطاً للفهم.

ففي عصرنا هذا یمكن أعتبار اللغة مؤسسة تختزل فيها الثقافة برمتها، حیث أن الحیاة الیومية للإنسان أصبحت منصهرة في الخطاب التكنلوجي للغات الإصطناعية والذكاء الإصطناعي.

ثم إن الرهانات المتعلقة بفهم اللغة الإنسانية مبنیً ومعنیً أصبحت حاسمة ومصيرية، لاسیما في مجال التواصل الإجتماعي المعقد الذي شکلته مقتضیات مجتمع المعرفة في عصرنا الحاضر.

اللغة ماهي إلا كائن حي قابل للتطور والإستحداث وفق ما يقرره الناطقين بها، كونهم أصحاب مصلحة في هذا التطوير. وهذا التطوير يجب أن يكون إستجابة لتطور المجتمع الكوردستاني ونابعة عن واقعه المعيش.

إن المبادرة القيمة للسيد رئيس إقليم كوردستان مسعود بارزاني في ضرورة العمل على طرح لغة كوردية موحدة تأتي من هذا المنطلق وتأكيداً بأن الأمم التي إستطاعت في النهاية من إيجاد لغة موحدة مرّت بتجارب تماثل التجربة الحالية للكوردستانيين.

اللغة هي عنوان الهوية الثقافية ورمز السيادة الحضارية، لذا نراه من الضروري إستلهام تضحيات الخَلَف الذين حافظوا على اللغة الكوردية بعد ما حوربت لأسباب عنصرية وشوفينية من قبل الأنظمة التي سلطت حكمها بسياسة الحديد والدم علی أرض كوردستان لغرض وحدة اللغة.

في هذا العصر، عصر تشابك المصالح والمصائر، بعد أن فتحت العولمة بأدواتها الفائقة وشبكاتها العنكبوتية ووقائعها الإفتراضية إمكانات هائلة أمام الشعوب، نری إنفتاح الكوردستانيين علی المستجدات في العالم، خاصة في مجالات العلوم والتقانة والمعلوماتية وعلوم اللغة بكافة فروعها وحقولها البحثية المرتبطة بها، بعد أن تمكنوا من تحرير أنفسهم من الاستبداد، الذي كان يتجسد في استبعاد العقول والسيطرة علی الأفكار.

فهناك سعي الی الإقتباس والإستفادة من نتائج هذه العلوم بهدف إغناء اللغة الكوردية وربطها بحركة الفكر الإنساني.

ومن أجل نقل المصطلحات العلمية والتقنية الاجنبية الی اللغة الكوردية علينا باستخدام وسائل كالاشتقاق، بمعنی صياغة لفظة من لفظة أخری شرط وجود تناسب بين اللفظ والمعنی، أو المجاز بطريقة إنتقال الكلمة من معناها القديم الی معنی جديد، أو تكريد اللفظ الدخيل مع تغيرات معينة ينسجم مع النظامين الصوتي والصرفي للغة الكوردية.

وفي حالة نقل معنی المصطلح الاجنبي الی اللغة الكوردية، يمكن إستخدام هذا المعنی بشكل مستقل يعيش جنباً الی جنب اللفظ كمرادف وبمرور الزمن سوف يكون أحدهما غالباً علی الآخر، أو يظلان كلفظين مترافين. وفي حالة نحت الكلمات، أي إنتزاع كلمة من كلمتين أو أكثر، يجب أن يكون هناك تناسب بين اللفظ والمعنی بين المنحوت والمنحوت منه، مثل (نشونما) في الكوردية من نشأ ونما.

وهناك وسيلة أخری، هي اختراع كلمة لم توجد من قبل بسبب الحاجة الماسة والملحة لمفردات لغوية جديدة تعبر عما يستجد من أمور ومفاهيم اجتماعية جديدة، هذا الأمر يحتاج الی المبدعين في اللغة.

ليس خافياً علی أصدقاء الكورد والمهتمين بالقضية الكوردية بأن تخلف اللهجات الكوردية وعدم تطورها الى لغة موحدة لايمكن إرجاعه إلا الی أسباب سياسية، ثقافية، اجتماعية تاريخية، جغرافية، عنصرية وإقتصادية. نحن لا نريد أن ندخل هنا في تفاصيل هذه الأسباب، فإنها تحتاج لشرحها وتحليلها الی مجلدات. 

فلو أخذنا بلدان أوربية كالمانيا، أو إنكلترا أو فرنسا كمثال، فإننا نری بأن موضوع تبلور اللغة الموحدة بدأ بعد الثورات المجتمعية والاقتصادية والقضاء علی الإنظمة الاقطاعية ومخلفاتها، بعد أن ربط ولايات هذه الدول بعضها ببعض عن طريق المواصلات والمدارس والمراكز الإعلامية وبحكم الواقع تمكنت لغة السلطة الجديدة من فرض نفسها كلغة رسمية في كل من هذه الدول.

 

إن تعدد اللهجات في اللغة الكوردية دليل علی عراقة هذه اللغة وأصالتها، فمن الضروري أن لا نفضل لهجة علی أخری، بل علينا في سبيل خلق لغة كوردية موحدة جامعة الاستفادة من جميعها دون إستثناء. 

صحيح بأن هذا الأمر يحتاج الی التفكير بصورة تخرج عن المألوف وتكسر المسبقات ويحتاج الی خيال خلاق وحدس خارق وكذلك الی حدث يكون بمثابة الشرارة أو الولعة التي تحرك القوی الكامنة وتكسر الثنائية الممسكة لدی الكوردستانيين، بحيث توقظهم من سباتهم الثقافي ليكونوا قادرين علی توحيد صفوفهم لمواجهة الأنظمة التي حاولت أن تجردهم من لغتهم.

تلك الأنظمة التي لا تحسن بأساليبها البائدة وسياساتها العنصرية سوی خلق المشكلات وتجديد الأزمات للكوردستانيين والقضية الكوردستانية العادلة.

والعمل لهذه الحملة الوطنية الكبری يجب أن يبدأ بإعداد لجنة علمية دائمية مستقلة مكونة من خبراء اللغة تشرف علی مؤسسة اللغة الكوردية الموحدة.

وإدارة هذه المؤسسة يجب أن تكون بعيدة عن كل هدف أو إتجاه حزبي ضيق ويمكن لإنجاح هذه المهمة القومية الجبارة الإستعانة والإستفادة من خبراء عالميين مختصين بعلوم اللغة.

علی هذه المؤسسة إعداد كوادر لغوية تبعث الی جامعات عالمية لغرض دراسة علم النفس اللساني وعلم الاجتماع اللساني واللسانيات الأنثروبولوجية والجغرافيا اللسانية وجمع طرق صناعة المعاجم والموسوعات اللغوية.

ومن أجل إثراء كنز مفردات اللغة الكوردية بالاستفادة من اللهجات الكوردية المتعددة علیه بتأسيس البنك الـمعلوماتي للكلمات والمصطلحات.

وهناك إجراءات علمية أخری يمكننا إضافتها بعد أن تمكنا من إجتياز المرحلة الأولی وهي تأسيس مؤسسة اللغة الكوردية الموحدة.

ومايفرحنا اليوم هو النية الخالصة لبرلمان وحكومة كوردستان في دعم ومساندة هذا العمل الجبار بصورة كاملة والقيام بتشريع قانون خاص باللغة الكوردية وتنفيذه.

فللمحافظة علی الثوابت والخصوصيات في واقع كوني سمته الحراك الدائم والتغيير المتسارع يجب التعاطي مع القضايا الجوهرية بطريقة نموذجية وفهم المجريات وفك الشيفرات علی المستوی الداخلي والخارجي وإدارة التحولات بشكل يتناسب مع لغة العصر وثوراته.

الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ولا كياناً ماورائياً، بل هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي بكل أبعاده من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات. الهوية هي إنبناء وتشكيل بقدر ماهي صناعة وتحويل وهي بُنية يعاد بناؤها باستمرار، وخاصة عند بلوغ الأزمات أو الوقوع في المآزق وذلك بتنظيم المشهد الديمقراطي وتأهيل مؤسساته ودعمها والعناية بأوضاع الموارد البشرية والرفع من شأنها على أساس المبادئ الديمقراطية الكونية القائمة على التعددية والحرية والمسؤولية.

الحكومة الكوردستانية تعمل جاهداً في سبيل خلق نظرية فكرية ترسم ملامح الدولة وثقافة وطنية حديثة منفتحة على منجزات الفكر البشري ومعطيات الخبرة العملية وعلى تقدم العلم والتقانة واستيعاب أثرهما في صيرورة العالم.

وختاماً يقول فيلسوف اللغة لودفيغ فيتجنشتاين (1889-1951) في البند السابع من رسالته المنطقية الفلسفية  (tractatus logico-philosophicus):

"أن كل علامة تبدو في حد ذاتها میتة، فما الذي یهبها الحیاة؟ إنها تکون حیة في الإستعمال، فهل نفخت فیها الحياة هنالك؟ أم أن الإستعمال هو حياتها؟".

"إن ما لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، ينبغي أن يصمت عنه".

YesIraq