2019-07-14 15:48:25

شفق نيوز/ أرغمت جيهان، الأيزيدية البالغة 18 عامًا، على ترك أطفالها الثلاثة الذين أنجبتهم من زواج تمّ غصبًا عنها مع عنصر في تنظيم داعش المتشدد، والعودة إلى عائلتها، حتى لا يرذلها مجتمعها وطائفتها.
المعضلة ذاتها تعيشها عشرات النساء والفتيات الأيزيديات اللواتي حملن بأطفال من متشددين خطفوهن عام 2014 لدى اجتياحهم منطقة سنجار في شمال غرب العراق حيث تعيش فيها غالبية من الطائفة الأيزيدية.
بعد استعادة القوات العراقية السيطرة على المنطقة المنكوبة، والهزيمة التي لحقت أخيرًا بتنظيم داعش في سوريا، عادت نساء كثيرات كنّ سبايا إلى عائلاتهن، لكنهن غارقات في اليأس والألم نتيجة جراح لم تندمل بسبب تعرضهن للاغتصاب والتعذيب والزواج القسري على أيدي عناصر في تنظيم داعش. وكذلك، يعيش عدد كبير منهن صراعًا مؤلمًا نتيجة تخليهن عن أطفالهن، ذرية المتطرفين المرفوضين بتاتًا في المجتمع الأيزيدي المغلق.
وتقول جيهان قاسم، متحدثة عن أطفالها الثلاثة، صبيين وفتاة، في مبنى مهجور في بعدره حيث تعيش اليوم مع عائلتها المهجرة من سنجار، ”لم أستطع أن أعيدهم معي الى البيت، فهم أولاد داعش“، مضيفة ”كيف آتي بهم إلى هنا، وأشقائي ما زالوا عند داعش؟“.
كانت جيهان في الثالثة عشرة من عمرها عندما خطفها متشددون لترغم بعد عامين على الزواج من عنصر تونسي في التنظيم المتطرف أنجبت منه ثلاثة أطفال، ثم فرت قبل أربعة أشهر معه برفقة أطفالهما إثر القصف الذي تعرضت له بلدة الباغوز في شرق سوريا والتي شكلت المعقل الأخير للتنظيم قبل انهياره. بحسب تقرير لفرانس برس.
عندما علمت قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة أنها أيزيدية نقلتها مع ابنها البكر وعمره عامان وابنتها وعمرها عام واحد وطفلتها الرضيعة، إلى ملجأ لاستقبال الأيزيديين معروف باسم ”البيت الأيزيدي“ في شمال شرق سوريا.
ونشر ”البيت الأيزيدي“ صور جيهان على مواقع التواصل الاجتماعي، فتمكن شقيقها الأكبر سامان الذي ما زال متواجدًا في شمال العراق من الوصول الى شقيقته والعودة بها إلى أسرتها.
لكن ثلاثة أشقاء آخرين لجيهان لا يزالون في عداد المفقودين منذ سيطرة المتشددين عام 2014 على قريتها في شمال العراق.
عانت جيهان كثيرًا قبل اتخاذ قرار العودة، واضطرت إلى ترك أطفالها الرضع مع السلطات الكوردية السورية.
وتقول بحسرة ”إنهم صغار وكانوا متعلقين بي جدًّا، … لكنهم يبقون أولاد داعش“.
وتتابع ”اليوم الأول كان صعبًا، لكننا ننساهم شيئًا فشيئًا“، مشيرة إلى أنها لا تحتفظ بصور لأطفالها ولا تريد أن تتذكرهم.

“ لا أحد يسأل عنهم“
ويرفض المجتمع الأيزيدي كل امرأة تتزوج من غير أيزيدي، حتى وان كانت مرغمة على ذلك. بالنسبة للفتيات اللواتي خطفهن المتشددون، أصدر الزعيم الروحي للطائفة الأيزيدية بابا شيخ مرسومًا تاريخيًّا دعا المجتمع الى استقبال وحضن الناجيات من الاعتداءات الجنسية على أيدي هؤلاء.

لكن الأمر لا ينطبق على أطفالهن.
في نيسان/أبريل، أصدر المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى بيانًا غير واضح يرحب بـ“أطفال الناجيات“؛ ما أثار الأمل في حدوث إصلاح ثانٍ لقبول المولودين من أم أيزيدية وأب من تنظيم داعش. لكنه أدى إلى ردود فعل عنيفة بين المحافظين الأيزيديين؛ ما دفع المجلس إلى التوضيح بأن شيئًا لم يتغير، وأن الأطفال المولودين من أبوين أيزيديين هم فقط المقبولون ضمن الطائفة.
ويقول الناشط الأيزيدي طلال مراد، إن إصلاحًا بهذا الشكل كان يمثل فتح أبواب تغيير أمام مجتمع ما زال مصابًا بالصدمة.
ويضيف مراد الذي يرأس موقع ”أيزيدي 24“ المتخصص بشؤون الأيزيدية ”إذا حدث مثل هذا التغيير في الدين، … سيحدث تشتت كامل في الديانة الأيزيدية“.
ويقول مدير مكتب المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى علي خدر لفرانس برس، إن النقاش حول الأطفال لا يتعلق بإصلاح عقائدي فقط.
ويضيف من مقر المجلس في شيخان ”الدستور العراقي يمنع هذا الشيء أيضًا (…)، أي طفل من والد مفقود أو غير موجود يسجّل أوتوماتيكيًّا كمسلم“.
وينص القانون الإسلامي الذي يستند إليه الدستور العراقي، على أن الانتماء الديني للشخص يورث عن الأب.
كما يشير خدر إلى تبعات نفسية؛ لأن المجتمع الأيزيدي لا يمكن أن يتقبل أطفالًا من متشددين خطفوا واغتصبوا بناته.
ويتابع ”لدينا حتى الآن ستة آلاف ضحية – فتيات ونساء أيزيديات – بيد الدواعش، ما من أحد يسأل عنهن، فيما يسألون عن أطفال على عدد أصابع اليد“.
ولا تتوافر لدى المجلس إحصاءات عن عدد الناجيات الأيزيديات مع أطفال من آباء متطرفين.

دم ولحم ودموع
وتركت معظم الأمهات الأيزيديات أطفالهن لدى ”البيت الأيزيدي“ في سوريا. لكن بعضهن أحضرن أطفالهن معهن إلى العراق ورفضن إجراء مقابلات صحافية بسبب حساسية الأمر.
وبعد أن أصرّت إحداهن على أسرتها للقبول بتربية طفلها الرضيع من أب متشدد مفقود، وعمره عام واحد، تخلت عن الفكرة عندما أدركت أنها لن تتمكن من الحصول على وثائق شخصية عراقية له بسبب عدم وجود والده.
ودفعها ذلك إلى التخلي عن طفلها للتبني، حسب ما تقول الطبيبة المشرفة على علاجها.
وفي حالة أخرى، وصلت في الربيع الماضي فتاة في الثامنة عشرة من عمرها إلى العراق بعد إطلاق سراحها، وهي حامل في الأشهر الأخيرة من أحد المتشددين.
وتقول المساعدة الاجتماعية التي تشرف على حالتها، إن الشابة بقيت لأسابيع في منزل آمن دون علم أسرتها حتى أنجبت وأرسلت طفلها إلى مكان بعيد، قبل أن تلتحق بأقربائها الذين يعيشون في مخيم للنازحين.
وتقول مديرة شؤون المرأة والطفل في الموصل سكينة يونس، إن خمسة أطفال من أمهات أيزيديات وآباء متشددين وصلوا العام الماضي إلى دار أيتام الموصل.
ومن المرجح أن تكون تبعات التأثير النفسي لهذا الأمر طويلة الأمد. وتبدو جيهان اليوم محطمة.
فقد وصفت أطفالها قبل أسابيع فقط، لأحد كوادر الشؤون الاجتماعية بأنهم ”لحمها ودمها“، قائلة إنها تشتاق إليهم.
وبينما كانت تتحدث عن أطفالها بقناعة بضرورة تركهم هناك، كانت ابتسامة خجولة تعلو وجهها وهي تتذكرهم، وفي لحظة معينة، بدا وكأنها تبكي بصمت عندما ترك شقيقها المكان.
وتقول في تلك اللحظة ”لو كان الأمر بيدي، بالتأكيد كنت سأجلبهم معي“.

”الإبادة الجماعية مستمرة“
ويقول الأيزيديون، إن الأحداث التي تعرضوا لها تمثل ”إبادة جماعية“، مشيرين إلى أنها الحادثة الـ 74 التي يتعرضون لها خلال تاريخهم.
ولا يزال مصير مئات النساء والأطفال والرجال المفقودين مجهولًا رغم انهيار ”الخلافة“ التي أقامها التنظيم في مناطق سيطرته في سوريا والعراق، بعد معركة الباغوز في آذار/مارس الماضي.
ولجأ نحو 100 ألف شخص من الأيزيديين، أي قرابة خُمس عدد هذه الأقلية قبل الحرب، الى دول أجنبية. فيما لا يزال 360 ألف شخص مشردين داخل العراق لأن قراهم ما زالت تحت الأنقاض.
وأصبح قضاء سنجار تحت سيطرة قوات مسلحة موالية للحكومة، تضربه الفيضانات خلال الشتاء والحرائق في موسم الصيف، ويقول خدر إن ”الإبادة الجماعية مستمرة“.
ويلقي بابا شاويش، المشرف على معبد لالش الذي يعد أهم معابد الطائفة الأيزيدية، اللوم على الحكومة المركزية في بغداد.
ويقول ”الحكومة الاتحادية في بغداد تعلم جيدًا أن آلاف الأيزيديات ما زلن أسيرات، ولم تتخذ لغاية الان قرارًا باعتقال أي شخص يحتفظ بأيزيدية، وهي غير متعاونة معنا“.
واقترح الرئيس العراقي برهم صالح في نيسان/أبريل مشروع قانون لتعويض الأيزيديين وطريقة لتحديد الوضع القانوني للأطفال المولودين من متشددين، لكن البرلمان لم يناقشه حتى الآن.
ويشعر الأيزيديون بإحباط جراء ما يعتبرونه ضغوطًا عالمية لإجراء الإصلاح الديني واستقبال الأطفال المولودين من آباء متشددين.
وتجمع شخصيات بارزة في المجتمع على أن الخيار الأمثل لهؤلاء الأطفال وأمهاتهم هو الهجرة الى أوروبا.
وتقول النائبة السابقة الأيزيدية فيان دخيل إن ”الموضوع معقد جدًّا، والحل الأنسب حاليًّا موجود خارج العراق. في تصوري، الحل هو هجرة النساء مع أطفالهن إلى أوروبا“.
وتقول نغم حسن، طبيبة الأمراض النسائية التي شاركت منذ عام 2014 في علاج عدد كبير من الأيزيديات الناجيات، ”حذرت منذ سنوات بأننا سنواجه هذه المشكلة، الآن، أصبح المجتمع الأيزيدي محطمًا، والجميع يريد أن يرحل“ إلى دول أجنبية.

}