2019-11-06 15:39:55

شفق نيوز/ "محدش يتجوز. لبنان والعة وشكلهم جايين" انتشرت هذه التغريدة على موقعي فيسبوك وتويتر، تُنادي الرجال أن يتمهّلوا في الزواج؛ لأن الاحتجاجات قد تؤدي إلى نزوح المتظاهرات اللبنانيات إلى بلدان مجاورة، يتحوّلن فيها إلى لاجئات. منذ اندلاع الاحتجاجات في لبنان في 17 أكتوبر، نالت المتظاهرات اللبنانيّات القدر الأكبر من السخرية والجنسنة (Sexualization) والتشييء (Objectification)، في وقت يفترشن فيه الساحات تمردًا على الأوضاع السياسية والاقتصادية المُتردية.
البداية لم تكُن من دولة عربية واحدة. نشر الرجال في السودان، العراق، الأردن، فلسطين، السعودية، مصر، وليبيا نفس التغريدة. وأضاف آخرين بعض البهارات. فمثلًا، نشر رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس تغريدة قارن بين الثورة في لبنان وبين حرب اليمن، بكل ما في ذلك من وقاحة في المقارنة بين بلدين شقيقين. أحدهما مُختزل في أجسام النساء كمصدر إحراج والثاني مُختزل في مشاهد الحرب والمجاعات كتشبيه لوضع سياسي "جاد." كأن الجدية هي الموت والدمار، وكأن الملابس تنفي عن الشخص عمله السياسي.
تغريدة أخرى أعاد نشرها علاء مبارك، ابن الرئيس الأسبق، على حسابه بموقع تويتر، مرفقة بصورة متظاهرات لبنانيّات مكتوب عليها أن" لو كانت متظاهرات مصر مثل متظاهرات لبنان، لكان أبناء مبارك، جمال وعلاء، هما أول المتظاهرين ضد مبارك الأب." في تلك التغريدة، تصُّوَرأجسام النساء في الساحات والميادين والمعترضات على الأنظمة الحاكمة، كحافز للتظاهر. كأن مَن يتظاهر سيُكافئ بجسم متظاهرة، سيستمتع به جسديًا أو بمجرد النظر إليه كرجل.
في هذه التغريدات وغيرها، من الواضح استحواذ الجنس على تفكير الرجال العرب، بدرجة تجعل من أي حدث وكل حدث: فانتازيا جنسية. تزداد الفانتازيا كلما كانت اللبنانيّات جزء منها، نظًرا للدور الذي لعبته السينما والإعلام في تكوين صورة عن اللبنانيّات كنساء "مُثيرات جنسيًا." في نظريّتها عن "التشييء الجنسي للنساء" تقول باربارا فريدركسون، أن التعامل مع النساء كأشياء وأدوات جنسية، يُساهم في تكريس العنف ضدهن.

رؤية أجسام النساء في الأوقات السياسية المشحونة بالغضب والاستقطاب، تُخبرنا الكثير عن أوضاع النساء في البلدان العربية. نساء إما يتعاملنّ مع العنف الجنسي والتعليقات على أجسامهنّ والسخرية منها، وإما يكُنّ مُطالبات بالتعامل مع تحديات غير يومية مثل الاحتجاجات، ورفض جنسنتها واختزالها في أجسامهن

بسبب هذه الفانتازيا الجنسية عن اللبنانيّات، تنتشر صور المتظاهرات ومرفق بها تعليقات جنسية على أجسامهنّ، كما حدث سابقاً في مصر، فلسطين والسودان كأنهنّ أدوات إثارة جنسية. وبسببها أيضًا، تُستخدم نفس الصور في مقارنة الخلاعة بالاحتشام. تُنشر صور المتظاهرات اللبنانيّات في مقارنة بينهن وبين غير اللبنانيّات، للتدليل على "عفة" النساء اليمنيّات والفلسطينيّات، لأنهنّ يغطينّ أجسامهن. الرجل الذي يرى اللبنانيّات خليعات، ويستخدم صورهنّ ليقول أن النساء في دولته أكثر احتشامًا، هو في الواقع يُسقط خيالات جنسية من نوع آخر.

هذا النوع من الرجال يُثيره جنسيًا ما يُسميه "عفّة واحتشام." فهو في النهاية، يمارس فانتازيا مقابلة للنوع الأول الذي يُثار جنسيًا على أجسام اللبنانيّات لارتدائهن ملابس مثيرة جنسيًا – من وجهة نظره. الرجال من هذين الفريقين، لا يهتمون سوى بإضفاء طابع جنسي على أي امرأة، لا يهم ماذا ترتدي، أو كيف يكون جسمها، هذا الجسم في النهاية مُجنسن (Sexualized) لأنها امرأة.

رؤية أجسام النساء في الأوقات السياسية المشحونة بالغضب والاستقطاب، تُخبرنا الكثير عن أوضاع النساء في البلدان العربية. نساء إما يتعاملنّ يوميًا مع العنف الجنسي والتعليقات على أجسامهنّ والسخرية منها، وإما يكُنّ مُطالبات بالتعامل مع تحديات غير يومية مثل الاحتجاجات، ورفض جنسنتها واختزالها في أجسامهن. يتعامل غالبية الرجال في البلدان العربية مع أجسام النساء كأشياء. ولهذا التشييء طابع جنسي. كأن الرجال لا يستطيعون تخيل أجسام النساء إلا في سياقات الجنس، حتى وإن كانت هذه الأجسام نفسها مُتحررة من هذه النظرة، تظل النظرة ثاقبة لأجسامهن، مُخترقة أي ملابس، ومُتعديّة لأي سياقات.

إلى جانب ذكورية التغريدات، فهي سطحية أيضًا، لا تعرف كيف تذكر "الحرب الأهلية" في بلد مازالت تُعاني آثارها. أشخاص فقدوا، قُتلوا، وآخرين شُردّوا جراء هذه الحرب، ومازالوا يتجرعون كأسها حتى اليوم

أمنيات الحرب واللجوء
إلى جانب ذكورية التغريدات، فهي سطحية أيضًا، لا تعرف كيف تذكر "الحرب الأهلية" في بلد مازالت تُعاني آثارها. أشخاص فقدوا، قُتلوا، وآخرين شُردّوا جراء هذه الحرب، ومازالوا يتجرعون كأسها حتى اليوم. أما استخدام كلمة "لجوء" للسخرية، يتجاهل مئات الآلاف الذين اضطروا إلى النزوح للهروب من الحرب وفقدوا حياتهم، أو انتهى بهم الأمر في أحدى الدول التي يعانون فيها من "فوبيا الأجانب."

في حالة سوريا، تُفيد لجنة الإنقاذ الدوليّة، أنه تم اغتصاب النساء في سوريّا بعد ثورة عام 2011 كسلاح حرب. كما أن الاضطرار إلى مغادرة سوريا أملاً في النجاة، أدّى إلى جرائم ضد الإنسانية، لا يمكننا التغاضي عنها في ذِكر الحرب واللجوء حيث تعرضت النساء للعنف الجنسي، ويتم مساومتهن على ممارسة الجنس، مقابل السماح لهنّ بعبور الحدود -وفقًا لتقرير مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين. في الأردن، تتعرض اللاجئات السوريات للعنف بما في ذلك زواج القاصرات، ينتهي غالبًا بالطلاق. كما يتعرضّن للاستغلال الجنسي والإتجار بالبشر والإجبار على العمل بالجنس في لبنان ومصر. في مصر، تُشير منظمة العفو الدولية (أمنيستي) أنه في عام 2013 شهد اللاجئون السوريّون عنف مجتمعي وأمني: بين اعتداء جسدي، قبض عشوائي، اتجار بالبشر، أو ترحيل قسري إلى سوريّا.
في وضع متأزم كالذي نشهده اليوم في المنطقة، تصنيف أزمة اللجوء كأزمة إنسانية، يُرتكب في مراحلها جرائم بحق اللاجئين ولاسيما النساء، أن يكون لفظ "لاجئات" مزحة، هو امتداد لما تتعرض له اللاجئات هنا. هؤلاء نساء يتم التعامل معهنّ بأجسامهنّ فقط، فانتشار الرغبة في ممارسة الجنس مع لاجئات سواء كنّ بالغات أو قاصرات، أُسقطت على اللبنانيّات أيضًا. تمنى الرجال العرب "الحصول" على لاجئة، فيكون الحدث الكبير الذي يشهده لبنان اليوم، متمحور حوله كرجل، فقط كرجل. وتكون المتظاهرة اللبنانيّة مُجرّدة من أي سياق، إلا السياق الجنسي، إلا كونها امرأة "يُستخدم جسمها" لممارسة الجنس.

الثورة ضد السلطة وضد الذكورية، ضد هذا الوهم، وضد هذا الرجل. وكلنّ يعني كلنّ!

وختامًا، الحرب ليست نكتة. الحرب مأساة إنسانية لا يجب على أي إنسان المرور بها. اللجوء ليس نكتة. أجسام النساء يجب أن تُرى كما تختار النساء أنفسهن. يجب أن يتنحّى الرجال العرب عن سلطتهم المُتخيّلة على جسم أي امرأة ولو حتى في صورة ويفصله عنها مئات الآلاف من الأميال. الثورة ليست ضد الحكام فقط. الثورة ضد السلطة، حتى لو كانت هذه السلطة وهم يتخيله رجُل يتصفح الإنترنت في دولة تُحكم بالفساد والإجرام، بينما ما يشغله هو كيف سيستمتع بأجسام المتظاهرات اللاتي ينتفضن للعدالة. الثورة ضد السلطة وضد الذكورية، ضد هذا الوهم، وضد هذا الرجل. وكلنّ يعني كلنّ!
غدير احمد -vice

FaceIraq
}