2020-03-12 19:01:41

شفق نيوز/ تقول ميسي رايان في تقرير لها في صحيفة «واشنطن بوست» إنه في الأسابيع التي تلت مقتل الجنرال قاسم سليماني في غارة أمريكية، كان القادة العسكريون الأمريكيون يهرعون لمواجهة واقع جديد خطير في الشرق الأوسط.
فمن المملكة العربية السعودية – توضح رايان – اذ يعود التواجد الأمريكي بعد غياب دام أكثر من عقد؛ إلى سوريا، حيث تعمل فرق أمريكية صغيرة بالقرب من قوات مرتبطة بإيران؛ ثم إلى أفغانستان، حيث اكتشف المسؤولون زيادة في المساعدات الإيرانية لطالبان، يستعد الجيش لتصعيد كارثي محتمل.
في خلال زياراته لسبع دول في الأسابيع الماضية، حذر القائد الأعلى للقوات الأمريكية في المنطقة، الجنرال كينيث ماكنزي جونيور، القوات الأمريكية من أن الضربة الصاروخية الباليستية، التي شنتها إيران بعد أيام من مقتل سليماني في بغداد في 3 كانون الثاني، لن تكون الأخيرة على الأرجح، بعد خسارة إيران لشخصية عسكرية فريدة.
ويقول ماكنزي للبحارة في بحر العرب «إنهم يتعرضون لضغوط شديدة، ويمكن للكيانات الواقعة تحت ضغط كبير أن ترد بعدوانية شديدة». ويقول المسؤولون إن إيران ووكلاءها استعملوا الصواريخ وقذائف الهاون في استئناف للهجمات الصغيرة على أهداف أمريكية وحليفة، منذ وفاة سليماني – تشير رايان – فضلًا عن إسقاط طائرة سعودية فوق اليمن في 14 شباط بما يعتقد المسؤولون الأمريكيون أنه صاروخ روسي معدل من طراز SA-6.
كان مسؤولون سعوديون قد أعلنوا، أنهم عطلوا محاولة للهجوم على ناقلة نفط قبالة اليمن باستخدام قوارب متفجرة يجري التحكم فيها عن بعد، مشيرين إلى الحوادث السابقة التي ألقت المملكة باللوم فيها على الحوثيين المرتبطين بإيران. ولكن يظل رد إيران على المدى الطويل، وكيف يمكن أن يرد الرئيس ترامب، أمرًا غامضًا بالنسبة للقادة العسكريين.
إن التسارع المحتمل لجهود إيران لإنهاء الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، هو أحد أسباب تسابق القادة العسكريين على توفير حماية جديدة للقوات الأمريكية – تضيف رايان – التي يزداد الخطر حولها الآن، ويتحسس قادتها علامات على تغيير السلوك الإيراني.
يقول كينيث بولاك، الباحث في معهد أمريكان إنتربرايز، إن موت سليماني «كان بمنزلة صدمة كبيرة، ومثَّل انحرافًا عن السلوك الأمريكي السابق، لدرجة أن إيران قررت أساسًا أنها تحتاج إلى طرد الولايات المتحدة من المنطقة على الفور. إذ بات من الخطير للغاية بالنسبة لها أن تعيش بجوار دونالد ترامب».
ينتشر نحو 80 ألفًا من القوات الأمريكية في جميع أنحاء منطقة سيطرة القيادة المركزية الأمريكية، وهو ما يزيد على 20 ألف عنصر عما صرح به المسؤولون الأمريكيون في الربيع الماضي.
ونشرت وزارة الدفاع الامريكية "البنتاجون" أنظمة دفاع صاروخي إضافية في دول مثل السعودية والأردن على مدار العام الماضي – تكشف رايان. لكن الطبيعة المكشوفة للعديد من القواعد الأمريكية تجلت في 8 كانون الثاني، عندما أطلقت طهران نحو12 صاروخًا باليستيًّا على قاعدتين تضمان القوات الأمريكية في العراق، وهو أول هجوم من نوعه على القوات الأمريكية منذ حرب الخليج الأولى عام 1991.
يؤكد القادة الأمريكيون أن أنظمة الإنذار المسبق هي السبب في عدم وقوع خسائر بشرية ـ قبل هجوم التاجي الأخير الذي قتل فيه بريطانيون وامريكيون ـ ، بيد أن أكثر من 100 من أفراد الخدمة عانوا من إصابات ارتجاجية.
سافر ماكنزي إلى العراق في أوائل شهر شباط لمعاينة قاعدة عين الأسد، حيث شاهد أماكن النوم المتفحمة والحفر العملاقة، دليلاً على التحديات التي يجب على القادة العسكريين مواجهتها. يملك ماكنزي سنوات من الخبرة القتالية في حروب التمرد التي انخرطت فيها أمريكا بعد عام 2001 – بما في ذلك الانتشار في العراق وأفغانستان. لكن منذ التحاقه بالقيادة المركزية، واجه نوعًا مختلفًا من التحدي: تهديد متزايد من دولة مهمة.
في تصريحاته – تقول رايان – كرر ماكنزي إيمانه بأن «الردع يتولد من القدرة والإرادة». يقول المسؤولون العسكريون إن هذا الشعار قد جرى اختباره فعليًّا بقتل مستهدف ما كانت لتجرؤ الإدارات السابقة على تنفيذه.
وتظهر استراتيجية الردع هذه قبالة شبه الجزيرة العربية، حيث يوجد أكثر من 4 آلاف بحار وعنصر مارينز، وطائرات هارير، وطائرات الهبوط العملاقة، من بين الأصول البحرية الجاهزة لأي تصعيد مفاجئ.
قال ماكينزي للقوات على متن سفينة حربية: «لقد جلبنا بعض الأصول البحرية المهمة لإرسال إشارة إلى إيران مفادها أننا لا نسعى إلى الحرب، لكننا على استعداد للرد إذا كان علينا ذلك».
في بحر العرب – تواصل رايان حديثها – يمثل تواجد حاملة الطائرات هاري ترومان، بقواتها البالغ عددها 7500 جندي، فضلًا عن مجموعة من المدمرات والطرادات، انتصارًا مهمًّا، وإن كان مؤقتًا، للمسؤولين الذين تساءلوا عما إذا كان تخفيض القوات في الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة سيشجع إيران.
وتتسابق القوات الأمريكية لتجديد عملياتها في المملكة، حيث يأمل المسؤولون أن تساعد الطائرات النفاثة من طراز F-15، إلى جانب نظام الدفاع (THAAD) وبطاريات صواريخ باتريوت، في حماية منشآت النفط السعودية من هجمات شبيهة بهجمات أيلول 2019 على أرامكو، التي تتهم السعودية إيران بأنها مسؤولة عنه، برغم نفي الأخيرة ذلك.
يرى المسؤولون أيضًا أن هناك حاجة إلى نشر أصول عسكرية إضافية في قطر والإمارات، اللتين تجاوران إيران. ولكن لا يعرف ما إذا كان هذا النوع من الردع سينجح ضد دولة تنفذ هجماتها عبر جماعات موالية لها. وقال إيلان غولدنبرج، الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد: إن الإيرانيين لا يفهمون بالضرورة استعراضاتنا العضلية بالطريقة التي نتصورها.
ولكن يجب على المسؤولين العسكريين في المنطقة تحديد المدة التي سيسمح لهم بها قادة البنتاجون بالاحتفاظ بالأصول التي يرون أنها رادع مهم – تستدرك رايان – بما في ذلك القوات الاحتياطية، وصواريخ باتريوت، والطائرات الهجومية، وكلها مطلوبة بالقدر نفسه ضمن مخطط الوزارة للتركيز على آسيا.
في أواخر شباط، عاد مئات من قوات الرد السريع من الفرقة 82 المحمولة جوًّا – بسبب تهديدات للأمريكيين في العراق – إلى فورت براج، شمال شرقي الولايات المتحدة.
يقول المسؤولون الأمريكيون إن القيادة الإيرانية ما زالت تتعامل مع تبعات وفاة سليماني وإسقاط طائرة تجارية عرضيًّا أثناء ضربتها الانتقامية. يعتقد الأمريكيون أن طهران ستتأنى شهورًا أو سنوات للتخطيط لهجمات إضافية، أو ربما محاولة لاستهداف قائد عسكري كبير. كانت إيران قد صنفت رسميًّا القيادة المركزية الأمريكية منظمة إرهابية، وتواصل إدارة ترامب فرض عقوبات على إيران في إطار سياسة «الضغوط القصوى».
يرى المسؤولون الأمريكيون أن خليفة سليماني، إسماعيل قاآني، بديل أقل فعالية للرجل الذي هندس التوسع الإيراني من خلال الإشراف على الجماعات المسلحة من لبنان إلى العراق، حيث يُلقى اللوم على رجال الميليشيات في مقتل المئات من القوات الأمريكية.
في حقبة ما بعد سليماني – تنوه رايان – يعد المسؤولون العراق أكثر المواقع خطورة بالنسبة للقوات الأمريكية، نظرًا إلى قربها من الميليشيات الغاضبة من مقتل أبي مهدي المهندس، قائد ميليشيا الحشد الشعبي الذي قتل إلى جانب سليماني.
وتسعى أمريكا لنشر بطاريات باتريوت في العراق، لكن هذه الأنظمة لها نطاق محدود وستوفر حماية غير كاملة. استُهدفت المنشآت الأمريكية في البلاد بهجمات متكررة منذ الضربة التي وقعت في 27 كانون الأول وأودت بحياة مقاول أمريكي لتشتعل الأحداث الدرامية في شهرين. ويقول المسؤولون الأمريكيون إن المزيد من إراقة الدماء الأمريكية مؤكد.
وهم قلقون أيضًا بشأن المقاتلين المرتبطين بإيران في سوريا، حيث تنتشر قوة أمريكية تقل عن ألف عنصر في قواعد صغيرة ومكشوفة في جميع أنحاء شرق البلاد المنتجة للنفط. توجد الميليشيات التابعة لإيران في مناطق متاخمة لتلك القواعد، وخارج منطقة عازلة أمريكية حول التنف. في الشهر الماضي، أبلغت قوة أمريكية في سوريا عن وقوع اشتباكات مع رجال الميليشيات المرتبطة بإيران.
في القرية الخضراء، حيث يعيش حوالي 250 جنديًّا أمريكيًّا وسط حقول نفطية سورية مهجورة، كشف ماكنزي كيف يمكن للواقع الجديد أن يؤثر في القوات المهمة ضد تنظيم داعش، كما حدث في الأيام التي تلت مقتل سليماني مباشرةً، عندما كادت تتوقف العمليات المناهضة للإرهابيين.
في حديثه إلى الجنود – تقول رايان – قال إن أكبر مخاوفه على المدى القريب لم يكن الهجوم الإيراني المباشر. بل وكلاؤها في مناطق مثل العراق وسوريا. يرى المسؤولون أيضًا تزايد الخطر في أفغانستان، حيث يتجمع الآلاف من الأمريكيين حول العاصمة كابول، وفي قواعد صغيرة في جميع أنحاء البلاد بدون دفاعات صاروخية كافية.
واتهم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إيران بتنفيذ التفجير الذي وقع عام 2019 في كابول، لكن المسؤولين اتهموا إيران في المقام الأول بتوفير أسلحة وبعض التمويل لطالبان، مما جعل طهران لاعبًا ثانويًّا في الصراع الطويل في أفغانستان.
ويعتقد ماكينزي أن هذا سيتغير تحت قيادة قاآني، إذ قال إن هناك دلائل على تزايد نشاط إيران الخبيث في أفغانستان، لكنه امتنع عن تقديم تفاصيل. ربما يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه المسؤولين العسكريين هو ضمان عدم تحول أي هجمات إيرانية إضافية إلى حرب إقليمية. يتضمن ذلك تحليلًا كبيرًا للمخاطر حول كيفية استجابة إيران للضربات الأمريكية – تقول رايان – مما يشير إلى أن البنتاجون قد يفكر في الأعمال الانتقامية ذات الأهداف الضيقة – ويجري حسابات حول ما سيطالب به الزعماء السياسيون، بمن فيهم ترامب، في مثل هذا السيناريو.
وفي حديثه إلى الطيارين على متن حاملة الطائرات الأمريكية هاري ترومان، يقول ماكنزي إنه لا يعرف كيف سيبدأ أي تصعيد، لكنه واثق من الكيفية التي سينتهي بها «سينتهي بهزيمة إيران، لكن ذلك لن يكون جيدًا للمنطقة».

}