بل إلى نكتة في واقعنا المحكوم باليأس والقنوط . فالتفاؤل عندنا كلمة موؤدة ونمط حياة مفقود وقضية لا يمكننا أن نتفاعل معها إلا تحت خيمة الأحزان والويلات والوعيد ، فصارت بعيدة جدا عنا وهي أقرب إلينا من حبل الوريد . والتفاؤل فعل نفسي وفكري وروحي وصوت إرادة وعزيمة وإصرار ومواصلة وتحدي وإيمان ، فالمؤمن متفائل وغير المؤمن يائس ، ولا يمكن للبشر إدعاء الإيمان وقد داس على التفاؤل ودفنه في قبور اليأس والبهتان. وهو يعني صناعة الحياة ، وعندما لا تعرف المجتمعات مهارات صناعة حياتها لا يمكنها أن تدعي التفاؤل ، ولكي نصنع مجتمعا معاصرا قويا متطورا ، لا بد لنا من فهم ما في المجتمع وأن نضع عوامل ضعفه وقوته على طاولة النظر البحثي والتمحيص العلمي الدقيق. ولا يستطيع أي مجتمع أن يتقدم إذا أغفل آليات ضعفه وسلوكيات اليأس والتداعي والويلات فيه. وهذا يعني أن تسليط الأضواء على السلبيات في أي مجتمع يمنحه رؤية حضارية وقوة لازمة لانطلاقه إلى حيث يسعى، لأنه بوعيه الأخطاء ومواطن الضعف يستدعي إستنفار الطاقات لوضع الخطط والآليات اللازمة لتجاوزها والحد من أسبابها ومؤثراتها في الحياة . أما أن يغمض المجتمع عيونه عن كل ما هو سلبي وغير صالح لصيرورته الناجحة ومسيرته المتقدمة ، ويعيش في حالة نكران وتجهيل ذاتي وتصحير نفسي وعقلي . فهذا هو فعل التشاؤوم وتأثيره وسطوته على المجتمع ، فالتشاؤم أن تنكر وتتجاهل وتبقي ما هو فاعل وقائم ، وأن تمضي كالمخمور في الحركة والتفاعل مع الأيام ، حتى تسقط في حفرة الويلات وتصاب بحالات فقدان الوعي وتشوش التفكير لارتطام رأسك بصخرة جهلك ونكرانك لما هو قائم حولك وفاعل فيك . وعليه فأن الذين يتحدثون عن الكتابات التي تركز على السلبيات ويحسبونها ضد الكرسي أو النظام أو أي حالة أخرى يتصورونها ، إنما هم قادة التشاؤم وجنوده المستثمرين فيه ، لأنهم يريدون للمجتمع العيش في حالة عماء وغيبوبة ، ويتغنى بالويلات والدموع والمسيرات المليونية ذات الدرجات العالية جدا من قدرات اللطم والجلد والنواح . إن الموقف المتفائل هو الذي يستحضر المعوقات ويضعها أمام الأنظار لكي يتمكن المجتمع من وعيها ومنع تكرارها ومحاصرة تأثيرها. وأي قلم لا يبحث في المعوقات والسلبيات السلوكية والإجتماعية ، إنما هو قلم مدّاح ، ويكتب بلغة الكذب والخداع والتضليل ، وأنه قلم مدفوع الثمن وما ينتج عنه عبارة عن بضاعة تجارية فاسدة ، ومنها تفوح روائح التعفن في أوعية الكراسي ، وغيرها من الأوعية الهادفة إلى تحويل البشر إلى مخللات يأكلونها على موائد النهب والسلب والفساد. إن التفاؤل قوة إظهار السلبيات وتحديد معالم الإيجابيات ومنح المجتمع القوة والقدرة على النهوض والإنطلاق في تأكيد ما هو إيجابي وضروري لحياة أفضل . والتشاؤم قوة تساهم في إستنقاع المجتمع ودفعه إلى تفاعلات سلبية ضارة ، لأغراض فاسدة تريد أن تحققها ، وذلك بقتل الوعي وتنمية الجهل والإمعان بتدمير الحقيقة ، وتقديم البهتان والتضليل للناس على أنه الفضيلة السمحاء والكلمة الصادقة . ولكي نصنع التفاؤل ونجعله منهجا وعقيدة وطنية فاعلة في الحياة لا بد من تسليط الأضواء على الآفات الضارة ، وتقديم الحلول والمعالجات ورسم خارطة طريق الأمل وصناعة الحاضر والمستقبل ، وتفنيد الرؤوس النفقية المحدودة المحكومة بالنفوس الأمارة بالسوء . نعم إن الكتابات المتفائلة هي التي تسلط الأضواء الساطعة على كل ما هو سلبي ، لكنها يجب أن لا تغفل إستحضار التصورات والبدائل الإيجابية اللازمة لصناعة مشروع الأمل والتفاؤل الوطني المنير في القلوب والضمائر والعقول . وبهذا تبنى الأوطان ، وتكون المجتمعات أقوى وأقدر .
| < السابق | التالي > |
|---|









