مراد الصوادقي / لا يوجد في العراق مذهب سوى مذهب الكرسي ! قد تتعجبون ، لكن الحقيقة الواضحة الساطعة ، أن العراق من أقصاه إلى أقصاه...يدين بمذهب الكرسي وحسب . وما التهريج المذهبي إلا من وسائل وأدوات التعبير عن ذلك . في العراق لا توجد مذاهب بالمعنى الحقيقي للمذهب ، وإنما هناك عمائم يتم إتباعها وتعظيمها وربما تأليهها وفقا لآليات التجهيل والتضليل والمتاجرة السافرة بالبشر . لو أن في العراق مذاهب لما عمّ الفساد وتمزق الدين وتهدمت بيوت العبادة وأحيطت بأسوار كونكريتية ، وأصبحت العمائم بأسرها تتحدث بلغة الكراسي والأحزاب والمطامع الدنيوية. لو أن في العراق مذاهب لتم التعبير عن الدين الإسلامي بأرقى صوره ، ولأعطيت الأمثلة النبيلة السامية عن الأخلاق والقيم والمعايير الإسلامية التي تؤكد جوهر الدين وصورته الصادقة الصحيحة التي يمكنها أن تكون مثلا وقدوة لو أن في العراق مذاهب لرأينا المحبة والألفة والرحمة والشفقة والتعبيرات الإنسانية الخالصة لله ولكتابه ورسوله ، ولشاهدنا أروع الثقافات وأغزرها وأكثرها تنويرا وإخلاصا لعوامل الفضيلة في النفوس والأرواح ، ولتبين لنا أن سلوك العراقيين في غاية الطيبة والسماحة والإخلاص والوفاء وتأكيد المثل والأخلاق الإسلامية الحضارية المنيرة. لو أن في العراق مذاهب لتجسدت الوطنية في أحلى وأجمل صورها ، ولوجدنا العراق آمنا مطمئنا ، يعيش أهله بسلام وأخوة وتفاعل إنساني معاصر ، يؤكد المصلحة العامة ويبرهن على قدرات ومهارات التكافل والتعامل المتفائل النقي الطاهر ، والمؤكد على إطلاق معاني البناء والتقدم وإشاعة الخير والصدق ومحاصرة الرذيلة والكذب والنفاق والتنكيل بالبشر.لو أن في العراق مذاهب لوجدنا ثقافة إسلامية متقدمة ، ومجتمع متعلم متفهم ، معبر عن أفكاره الإيجابية اللازمة لتأكيد اللحياة الأرقى ، ولعرفنا المعاني المشرقة للدين ، ولكان القرآن واضحا ومفهوما وقريبا إلى أبناء المجتمع ، وهناك برامج إسلامية ومحطات إذاعة ومواقع إنترنيت تتكلم بلسان الدين القويم الصالح للناس أجمعين . لو أن في العراق مذاهب لما حصلت المآسي والويلات والتفاعلات السلبية والحزبية المخزية ، ولنشط الإعمار ، ولتنعم الناس جميعا بثروات الوطن ،ولشعر الإنسان بأخيه الإنسان ، وما رضيَ أن يعيش متخوما والآخرين من حوله جياع ، أو أن يكون ثريا ومبذرا وإخوانه في عوز وفقر مدقع. لو أن في العراق مذاهب:لشاع العدل والسلام وأنمحت الأمية وتثقف الناس ، ولتحسنت أحوالهم المعاشية وسادهم الخير والسؤدد ، ولازدهرت المدارس والمرافق الخدمية ، وانتشرت المكتبات العامة في القرى والمدن واهتم الناس بالزراعة والصناعة والعلم والتقدم والإزدهار ولأصبح الدين العمل. لو أن في العراق مذاهب: صنعنا أروع مجتمع وأجمل وطن وأبهى حالة إنسانية على وجه الأرض ، مثلما نرى في اليابان ذات الأديان والصين والكوريتين ودول الغرب الديمقراطية المتعددة المذاهب والألوان. فالتعدد يخلق بهجة الحياة وسرورها ونضارتها ، والإختلاف طاقة الصيرورة الكونية الكبرى وقوتها الدافعة نحو الأفضل. وهكذا فما عندنا مذاهب وإنما أضاليل ونواعير مصائب. فكلٌ يدّعي بمذهب ويضع عمامة ذات لون وحجم وينهب ويسلب ويحسب أن ذلك مذهب ، أما الدين والكتاب فقد أصبحا نسيا منسيا ، وما على التابعين المسلوبين الرأي والبصيرة إلا التحول إلى ببغاوات مرهونة بالعمامة التي تم وضعها على الكراسي ، وأن يخنعوا ويرتعوا في مرابع الويلات. ولن يتعافى العراق إن لم تكن فيه مذاهب تعبّر بصدق عن الدين الإسلامي وجوهر عقيدته وقيمه ومبادئه الرحيمة السمحاء ، أما القول بوجود مذاهب فأنه محض خداع وتضليل وإدعاء ، فالكرسي هو المذهب في العراق وهذا يفسر التداعيات المريرة. *المذهب :المُعْتَقَدُ الذي يُذْهَبُ إليه، والطَّريقةُ، والأصلُ. ونقول ذهب فلان مذهبا حسنا.
| < السابق | التالي > |
|---|









