Fri02102012

Last update03:50:22 AM GMT

العراق بين حل الأزمة وأزمة الحل

  • PDF
تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

جعفر المظفر / التأخر عن تشكيل الوزارة بعد مرور ستة أشهر على الانتخابات النيابية هو أزمة دون شك ، لكن قراءة أسبابها يجعلنا نعتقد أن الأزمة الأخطر هي تلك التي تأتي بعد تشكيل الوزارة...

كثيرون باتوا يعتقدون إن حل أزمة الوزارة قادم بتشكيلها، وفي الفترة الأخيرة تمت تعبئة الناس لكي تعتقد إن هذه هي أزمة البلد الحقيقية. بهذا صار من المفترض أن يتراجع الاهتمام بكثير من الأزمات التي جعلت حياة الناس صعبة للغاية، فلا أحد من المسئولين بات يتحدث عن أزمة الكهرباء، و تراجع الحديث عن الجرائم التي يذهب ضحيتها عشرات العراقيين يوميا، وصارت مباريات المسئولين اليومية هي التصريحات التي تتناول الأزمة والجهود الرامية لحلها، وهو أمر خطير جدا في بلد تعطل فيه كامل النشاط الإنتاجي والخدمي، وبات بحاجة إلى توجيه كل كلمة وجهد للمباشرة الفورية بعمليات البناء. لقد لفت السيد أمير طاهري، الكاتب الإيراني اللبرالي المعارض، الأنظار إلى أن العراق ليس هو الوحيد الذي يمر بأزمة وزارية حادة. بلجيكا تعيش نفس الأزمة منذ سنتين، كما أن استراليا باتت في مواجهة أزمة من هذا النوع. وكل ذلك من الحق تأشيرة، لكن ليس من الحق الاستدلال به، لأنه سوف يؤدي لتعويم قضية بأخرى مختلفة تماما ولا تتشابه إلا على السطح. إن العراق ليس بلجيكا أو أستراليا، فهو لا يمر بأزمة تشكيل وزارة، وإنما بأزمة تشكيل ذات وهوية، وأزمة تشكيل الذات والهوية تعبرعن نفسها بمستويات عدة ومنها عجز قواها السياسية على تحقيق إتفاق الحد الأدنى اللازم للشروع ببناء ذات الدولة المعرفة بهوية. لقد أنجزت تلك البلدان بناءها المؤسساتي والحضاري إلى مستويات مذهلة، صحيح إنه لا يمكن تبسيط الأمور إلى المستوى الذي يمكن فيه اعتبار التأخر عن تشكيل الوزارة في تلك البلدان مسألة عادية جدا، ولكن يمكن القول أن تأخر تشكيلها لسنة أخرى لن يخلق مشكلة حقيقية للمواطن الذي كان قد ضمن إن دولة المؤسسات ودرجة التحضر والتقدم وسلطة القانون ومرجعية الدستور كافية لأن تجعل الدولة تسير بشكل اعتيادي جدا بما لا يجعل التأخر عن تشكيل الوزارة حالة تقترب من مفهوم الأزمة ذاتها. على العموم يمكن القول إن الأزمة لدى هذين البلدين هي فنية وليست مبدئية، كما إنها من ناحية أخرى خاصة بأهل الحكم وليس برجل الشارع، أما مع الوضع العراقي فإن الأمر هو غير ذلك تماما، لأن الدولة لم تتشكل بعد، وبهذا فإن تأخير تشكيل الوزارة هو امتحان حقيقي لقدرة القوى السياسية وصلاحيتها لتشكيل دولة، بل وامتحان أيضا لمدى حاجتنا لدولة من هذا الطراز الذي ستتشكل عليه وعلى أيد قوى من هذا النوع. في بلجيكا وغيرها، لن يؤدي تأخر تشكيل الوزارة إلى تصاعد العمليات الانتحارية الإجرامية، وإلى اشتداد قوة التيارات الإرهابية، ولا إلى بقاء الناس عاطلة عن العمل ومثقلة بكل أشكال القهر، ولا إلى إعطاء عصابات السرقة والغش والاحتيال والتزوير كل فرص الإجهاض على ما تبقى من ثروة البلد وأخلاقية المجتمع، ولا إلى الموت اختناقا نتيجة الحر الذي لا يطاق بغياب الكهرباء رحمها الله. وعلى المستوى الشخصي يمكن القول إن رجالات الحكم في العراق، من مختلف الجهات، لن يتضرروا بالأزمة، إن رواتبهم الضخمة وإمتيازاتهم الأخرى وفرصهم في الربح المضاف ستستمر دون أن تتأثر مطلقا، إن هي لم تزد، أما رجل الشارع فسيبقى هو المتضرر الحقيقي . من ناحية أخرى، تؤكد قراءة سريعة لنوعية التحركات التي تجري بين القوى السياسية إن الأزمة الحقيقية لم تحصل بعد، فإلى الآن ليس بوسع سياسينا أن ينكروا إن هذه الأزمة باتت على أبواب أن تؤكد على عجز النظام ( الديمقراطي ) الحالي لتأكيد قدرته وصلاحيته لعراق ما بعد الدكتاتورية. وإذا كان من غير العدالة تحميل الديمقراطية، كمفهوم وكمبدأ، مسؤولية ما يحدث في العراق الآن، فإنه ليس من العدالة أيضا بقاء الالتزام بحالة نظرية لم تتأكد قدرتها على فك عقد الحالة العراقية، بحيث بات واجبا الاعتراف بعدم صلاحية أحدهما للتناغم مع الآخر، على الأقل في الوقت الحاضر وحتى إشعار آخر، ثم الاعتراف أيضا بأن محاولة الضغط عليهما لغرض تحقيق حالة من الانسجام المضغوط سوف تؤدي إلى الإضرار بهما سوية. وإذا كنا لسنا الآن بصدد عرض تفصيلي للنواقص الذاتية للديمقراطية الحالية فإن أفضل ما نقوله هنا إن الديمقراطية العراقية لم تكن موفقة البدايات، بسبب غياب ما يكفي من البنى التحتية الكافية لتأسيس حالة الدولة، والتي تجعل من النظام الديمقراطي نظاما لدولة وليس نظاما لا دولة له. لكن في غياب الدولة كاملا، وفي وجود صراع حقيقي على هوية وملكية ونوعية تلك الدولة التي لم تتشكل أساسياتها بعد سوف لن يكون من المستغرب أن تتحول الديمقراطية إلى ساحة لحسم معارك سياسية بين خصوم متفارقين إلى حد الاقتتال، وليست ساحة لبناء دولة بين سياسيين متفقين بالنوايا أولا وعلى أولويات بناءها ثانيا. إن الديمقراطية ليست اختراعا لحسم صراعات من هذا النوع، خاصة في ظل غياب الدولة، وفي ساحة يتراجع فيها القرار الوطني كليا لصالح القرار الإقليمي والدولي. كما أن عراب هذه العملية السياسية، وهو أمريكا، كان كَيّف الساحة العراقية بالاتجاه الذي يكفل له إدارة صراعاته الإقليمية والدولية، وذلك بعد أن ضمن تحقيق العجز الوطني الذي أدى بدوره إلى تراجع مشروع الدولة. لقد بدى ذلك الأمر واضحا أثناء الزيارة الأخيرة لبايدن الذي اصر فيها على ضرورة بقاء التقسيم الطائفي العراقي والقومي على الحال الذي أوجدته معادلة مجلس الحكم، وبهذا سيكون معنى تشكيل الوزارة المتناغمة مع هذه الدعوة واضحا، كما وسيؤدي مبدأ الشراكة الوطنية البديل لمبدأ أحقية البرنامج السياسي والانتخابي إلى إعادة حصحصة الدولة بشكل يأخذ بنظر الاعتبار مصالح الوافدين الجدد. هكذا سوف يؤدي حل أزمة تشكيل الوزارة، إلى أزمة تشكيل دولة. وحينها سيكون السياسيون قد حلوا أزمتهم . ولكن على حساب العراق لا لحسابه.

للنشر في المواقع الاجتماعية
social