فقط بالحدس يمكن رصد الى أي نهاية ستصل التجاذبات بين فرقاء الازمة التي تجري في الكواليس، او تظهر على الشاشات الملونة وفي وضح النهار. لابد ان نتفاءل حيال المستقبل فمن غير التفاؤل لا يمكن للانسان ان يعيش، هذا ما قاله فريق من علماء النفس الأمريكيين لجامعة ييل في ولاية كونيكتيكات مؤخرا “أن الأشخاص منشرحي البال، المتفائلين في نظرتهم إلى المستقبل، يعيشون لمدة أطول من أقرانهم الذين يستبد بهم القلق” وتقول الاستنتاجات “أن الأشخاص الذين يتملكهم الخوف من الشيخوخة تظهر عليهم أعراض التقدم في السن بسرعة اكبر” وهذا ليس سوى مثل واحد لعارض القلق الذي يصيب الانسان ازاء نفسه او ازاء الاحوال التي تحيط به. وبمعنى ما لا بد لنا من استخدام “رحابة الصدر” لما نستقبله من مغثّات قد تحيط بنا من كل جانب، وفي حالات كثيرة تصبح رحابة الصدر هذه بمثابة عقار فاعل للذين يعانون من كوابيس او مخاوف ثقيلة، ويقول علماء جامعة ييل ان “الذين يتقبلون الأمر برحابة صدر يمكن أن يعيشوا سنوات أطول ممن يحاولون الكف عن التدخين أو يمارسون التمارين الرياضية” ويحذرون من مغبة التشبث بالماضي، ويشيرون بالتفاصيل الى النكبات التي يمكن ان يواجهها اولئك الذين “يقضون وقتهم حسرة على ما مضى من أيامهم”. لكن التعقيد في الحاجة الى التفاؤل يلاحظه العلماء في ما يسمى بالممارسة الجمعية للتفاؤل، فان متطلبات هذا التفاؤل عسيرة ومعقدة، وبخاصة في ظروف الاضطرابات والكوارث، وقد يجد الجمهور في تداول “النكتة” تعبيرا عن روح التفاؤل الدفينة في اعماق الناس، وربما لهذا السبب تنتشر النكتة هذه الايام في الاوساط الشعبية على نطاق واسع، وتصبح النكتة مادة رائدة لساعات سمر العراقيين، تبدأ بالقول “فد واحد” وآخرها: “اغنيه عراقيه جديدة: طالعه من بيت ابوها رايحه لبيت الجيران طبكو عليها السلابه باكو حتى النعلان” وبالاضافة الى اشاعة روح التفاؤل فان للضحك قدرة ليصبح وسيلة للدفاع النفسي أمام الضغوط التي يتعرض لها الانسان في حياته اليومية وتحتاج الى فسحة لتفريغها قبل ان تتراكم لتشلـّه وتحبطه، وفي هذا تنبه المحللون والمخططون الى خطورة هذا العامل، فيما تنبهت الدول المتخاصمة والمتحاربة اليه من زاوية اخرى تتعلق باشاعة التيئيس لدى خصومها وفي اوساط الجمهور المناهض، وقد كان العراق وشعبه مختبرا لهذه التجارب طوال سنوات الحروب، الامر الذي نجد آثاره ماثلة حتى الان. اقول، التفاؤل في مستقبل التجاذبات المريرة التي تتفاقم يوميا ضروري، لكنه ضار ايضا حين يجري تصنيعه في معامل الاكاذيب.. وما اكثرها.
| < السابق | التالي > |
|---|









