والإبداع ، الذين لازموا جانب الصمت طيلة السنوات السبع الماضية التي أعقبت سقوط النظام السابق ، فلم يكتبوا شيئا في الساسة و لا اقتربوا من الهموم والمعاناة اليومية للمجتمع العراقي كطروحات أو معالجات بصيغ سياسية مباشرة على شكل مقالات أو نصوص معينة ، بينما كنت أظن ولا زلت ُبأن على المثقف أن يقف بقلبه وقلمه إلى جانب شعبه في مراحل محنته و أزماته الصعبة، دون أن أفطن إلى أن الأمر يتطلب في هذه الحال تقربا من السياسة والكتابة في السياسة وعن السياسة وعن السياسيين والأحزاب ، الأمر الذي قد يؤدي إلى خلق جحافل وفيالق من أعداء وخصوم أشداء!!، و خاصة في الحالة العراقية ، ليس فقط بسبب وجود أتباع وأنصار كثيرين لهذا السياسي أو لذاك الحزب وإنما بسبب وجود كثرة المريدين " العقائديين " الذي لا يطيقون قول الحق ، فيما يتعلق الأمر بذلك السياسي أو الحزب الطائفيين ، لكونهم يعتقدون بأن أي انتقاد لممارسات الخاطئة لهذا السياسي أو لذاك الحزب إنما هو استهداف لحرمة العقيدة وأتباعها ؟!، تلك العقيدة التي يجب أن تكون هي فوق كل شيء حسب تصورهم ، وأهم من كل شيء : أي أهم من الوطن ورقيه ، وأهم من حياة المواطن ورفاهيته .. وهي نفس العقيدة التي يتعكز عليها هذا السياسي أو ذاك الحزب من أجل تحقيق أهدافه الأنانية وطموحاته السلطوية وامتيازاته على حساب عامة الشعب !!.. وهنا يكفي أن يكتب المرء بضع مقالات أنتقادية ضد بضعة ساسة وزعماء وأحزاب (لا زلت أتكلم هنا عن الحالة العراقية) ليكون له عشرات من أعداء وخصوم ومتحاملين ،إضافة إلى احتمال قوي في أن يكون عرضة للإساءة والتشهير..و خاصة ضمن التصور السائد والمهيمن على الحالة العراقية والمتجسد ب : أما معنا ضد أعدائنا أو ضدنا مع أعدائنا، أو التزام جانب الصمت ..
ومن البديهي إن التزام جانب الصمت ــ سياسيا ـــ لا يخلق أعداء أو خصوما ولا تحاملا أو أحقادا بهذه الكثرة الكثيرة .. ومصيبة المصائب أن أنصار وأتباع هذه العقيدة أو تلك كثيرون جدا ، وغالبا ما يخلطون بين هذا السياسي أو ذلك الحزب وبين العقيدة ، معتبرين أن أي نقد يُوجه ضد ذلك السياسي أو حزبه ، فهو في كل الأحوال قد يكون موجها ضد العقيدة ..وبالتالي لم ينتبه كثيرون لهذا الجانب ممن كتبوا في الشأن السياسي العراقي ، أو في الهم الوطني إلا في وقت متأخر ، وبعد فوات الأوان ، أي بعد كثرة الأعداء وزحمة الخصوم وجحافل المتحاملين !.. أنها لحقيقة مريرة ووضع شائك حقا :أن تكون مخيرا بين الصمت والتفرج على بلدك وهو يتحطم وينهار كيانا وشعبا ، و بين أن ترفع صوتك ناقدا السلبيات و الأخطاء والممارسات الخاطئة والضارة ومحتجا على تداعي الأوضاع وعلى معاناة الناس ولكن خالقا لنفسك متحاملين وخصوما من كل حدب وصوب .. والآن ، أخذنا نتفهم أكثر فأكثرأولئك المثقفين الذي أثروا الصمت و الانزواء بعيدا ، دون أن يلوثوا أقلامهم بوساخات السياسة ، وإنما قصروا كتاباتهم على نصوص إبداعية صرفة وحسب .. فالسياسة ومن ثم الكتابة عن السياسة وفي السياسة ، عملية تشبه من يمسك عصا كلا طرفيها ملوثتين بالوساخة : فلا مهرب من تلوث الأصابع بهذه الوساخة في كلل الأحوال !..ولكن ما العمل أو الحل ؟!.. فهل يوجد خيار أخر ؟!.. كالصمت مثلا و التفرج بعيدا من فوق التل .. بينما : شعبك يُذبح في كل يوم عبر مجازر ومذابح وتفجيرات متواصلة ، ويُذل مطعون الكرامة ، ويعاني كما لو كان في جحيم حقيقي ، و بلدك يتداعي وينهار ويُضحى ركاما من خراب و أنقاض و نفايات ..
حقا أنه خيار صعب وشائك لحد اللعنة ..
| < السابق | التالي > |
|---|









