أي أنهم يتكلفون المدح ويتكسبون به ومن سوء حظ سيد الكرسي أن يعيش مخدوعا بالمتمدحين به . "إذا المرء لم يمدحه حسن فعاله فمادحه يهذي وإن كان مفصحا" من السيئات الجوهرية للسلوك السياسي في العراق أن المسؤولين يحسبون كل قول ضدهم عدوانا , ولا بد من وضع حدٍ له . وهذا ينطبق على جميع الحكومات منذ تاسيس النظام الجمهوري ولحد الآن , ولا يمكن تبرأة أي كرسي من هذه المواقف والتصورات والإعتقادات الضيقة. وهذا السلوك قد أودى بكراسي الجمهوريات وبلا استثناء. فالجالس على الكرسي لا يريد أن يسمع إلا مدحا ونفخا وكذبا وافتراءا وتملقا ورياءا , ويكره الحق وقول الحقيقة في حضرته أو بوجه نظامه لأنه يحسبه خروجا عن طاعة أمره وإفلاتا من قبضته المتحكمة بمصيره. ولهذا فأن الصحافة الحرة في العهود الجمهورية لا وجود لها على الإطلاق , وإنما الموجود عقل الكرسي ولسانه وعقيدته ولغته وحسب . ومَن يخرج عن هذا المسار يلقى حتفه السعيد على أيدي حماة الكرسي والمتحلقين حوله. بينما في المجتمعات الديمقراطية يكون من ضرورات النظام الديمقراطي , أن تتحفز الأقلام وتشخص أي زلة أو غلطة أو إنحراف في سلوك النظام , لكي تصان الديمقراطية , ولا يتم العبث بالمصلحة العامة وحقوق أبناء الوطن. وعندنا يشعر المسؤولون بأن العدوان قد وقع عليهم إذا تكلم أي كاتب عن السلبيات وأراد أن يأتي بحيثيات السلوك النافع للجميع , وترى الإتهامات والأساليب الدفاعية والتبريرية تنتشر في كل مكان. ويبدو أن من الصعب على أصحاب أي نظام في مجتمعنا وعيّ أهمية النقد , على أنه تفاعل ضروري ما بين السلطة والمجتمع , وأنه ليس قدحا وذما وعدوانا , وإنما أسلوبا لتصحيح الأخطاء وتنوير مسيرة التفاعلات القائمة في المجتمع . فالذي ينتقد النظام ليس بالضرورة ضده , والذي يمتدحه ليس بالضرورة معه , وقد رأينا مدّاحي الأنظمة السابقة وكيف تبين بأنهم ضدها والعكس صحيح. فالمجتمع الذي يمنع النقد وتأشير الأخطاء والإشارة إلى ما يجب القيام به , إنما يغفل أهم مصادر الإستشارة والإرشاد والتعلم والتطور وإكتساب مهارات صناعة الأفضل في الحياة , ويصنع المنافقين والمتقلبين على إيقاع الأيام. فالذي ينتقد أي حالة إنما يقدم إستشارة مجانية لأصحابها الذين عليهم أن يأخذونها بنظر الإعتبار ويتفكرون بها مليا , لا أن ينكرونها ويتهمون صاحبها بالعدوان وما إلى غير ذلك من مسميات البهتان والجهل والخسران. ونحن العراقيون بصورة عامة لا نريد أن نسمع لأحدٍ , ونكره النصيحة ونرفضها رفضا شديدا , وكل منا يقول لنفسه (الأفندي يريد ينصحني) , ومعنى ذلك أننا لا نتناصح وإنما نتناطح في أغلب تفاعلاتنا. ويبدو عندنا عيب سلوكي إجتماعي قد أسهم كثيرا في صياغة الحالة التي وصلنا إليها , ذلك أننا لا نسترشد ببعضنا ولا نضع على طاولة حياتنا أفكارنا ونستخلص منها الصالح لنا, وإنما كل واحد منا يحسب أن ما عنده هو الأحسن والأصوب , ولاحقنا ينكر سابقنا , ونمتلك قدرات خلاقة لتسفيه وتحقير رأي غيرنا . وجميعنا لديه تجارب لا تحصى مع أبناء مجتمعه , وكيف أن المشاجرات تحصل بسبب قول ما, أو رأي معين , حيث يحسبه أحدهم بأنه عدوانا عليه ويكتم مشاعره السلبية التي تتخمر حتى تنفجر وتحقق الأضرار في المجتمع. لأن هذه المشاعر تدفع إلى الشك والخوف وعدم الإطمئنان فتصنع حالة غير مفيدة للحياة. ولا يمكن لأي نظام حكم أن يحقق نجاحا وطنيا ويبني الحياة الأفضل إذا تجاهل النقد وتعامل معه بآليات دفاعية وعدوانية لا تنفع المجتمع. فالتفاعل ما بين الأفكار والرؤى يصنع المشتركات اللازمة للأقوم والأصلح. ترى لماذا نحسب النقد وتشخيص الأخطاء إعتداءً؟
| < السابق | التالي > |
|---|









