في وجه بغداد لأستحضر صورتها المعلقة على جدران ذلك التاريخ في العين والقلب لكن دون جدوى . دلفتُ اليها بعد غياب قسري دام عشرين عاما عقب زوال المسكونين بحب الخراب. وبكيت حينها كثيرا في عام 2003، مستعيداً في الذاكرة أيامها الأبهى المتدفقة بالحياة والجمال والشعر والوعي والثقافة، وما صنعه بها صدام خلال أكثر من ثلاثة عقود من الاستبداد، بيد أن الأمل عقب نهايته كان يسكنني ويتملّك روحي ويجفف دموعي. دارت الأيام ومضت السنوات السبع بعد رحيل الظلام، سنة تلو أخرى فكانت عجافاً بامتياز. لم تعد دماء العافية تتدفق في عروق العراق، وليس في سمائه نجمة تنزف أضواءها في عيون الناس. أين هو العراق؟ أين عاصمته المخملية ذات يوم؟ من يجمع صورة هذا البلد المعنّى على مدى الدهور بالمعرفة، والمعبأ بالاضاءة حين تحتدم العتمة؟ لماذا انكسر بهذا النحو السريالي المخيف؟ ومن المسؤول؟ انطوت صفحات صدام ولياليه وأيامه السود، ولكن أين هي الضفة التي ترسو عندها السفينة العراقية؟ هذه الأسئلة الحائرة وغيرها كثير ما عادت تلامس الفكرة الضائعة، والحقيقة الممتنعة عن الظهور. القتل بكاتم الصوت عاد. والموت المتجول يهرول مع الناس الخائفين منه فيقتل منهم من يشاء طفلا كان أو امرأة، أو بائعاً للأحذية على الرصيف. الكهرباء تندب حظها العاثر وما من مجيب، رغم استبدال الوزير بالوزير، والمزاعم بالمزاعم. المليارات من ثروات هذا البلد ضاعت سدى في بطون (الخائفين) من ربهم كما يزعمون. أين هو السياسي العراقي الذي يذكّر بنوري السعيد على الأقل الذي كان اشترى طائرات للعراق بمشروع أطلق عليه (مشروع الفلس)، لو كان أحد من الساسة المعاصرين الأحياء مستعدا للتخلي عن أناه وذاتيته من أجل العراق، لقلنا ان البلاد مقبلة على خير. لا أدري هل أدركت واشنطن أن لعبة الديموقراطية في الساحة العراقية كانت في غير محلها، أم انها تريد المضي بها قدما حتى لو كانت الضريبة موت العراقيين او التفرج على بؤسهم ونهب ثرواتهم؟! لم يبق أحد يتحدث عن التفاؤل غير المستفيدين من هذا الوضع، ولو كان باعث التفاؤل غير هذا السبب لعمّ شريحة على الاقل من شرائح المجتمع لاسيما ان المنتفعين لم يكونوا قد هبطوا على العراق من كوكب، والناس من كوكب آخر. العراق الراهن واقف بين أسوار وأغلال وموت مجاني يحتاج فيه الناس الى الصراحة أكثر من الكلام المعسول والوعود الكاذبة والخادعة. ما معنى الحديث عن استتباب الأمن اذا كانت أحزمة النار تضرب عددا كبيرا من المحافظات لتترمل هذه المدن بقتلاها في رمضان؟ بات الكلام عن تحسن الوضع الأمني يحمل معه تخيلا غريبا يحسب ان العراقيين مثل البوذيين يسيرون الى اعماق النار باشتهاء لرقصة (النرفانا). كيف تنتج انتخابات لتجديد السلطتين، انخرط فيها الشعب بأمل، هذا الجمود القاتل، حيث لا احد يريد ان يتحرك عن كرسيه، وكأن العراق امام حكم ابدي مجدداً؟! البشر في العراق كسائر شعوب الأرض يريدون بلدا يحمي جلودهم وأنفسهم وأموالهم وكرامتهم، وما عدا ذلك يصبح العراق بالنسبة لهم طاحونة فناء.
| < السابق | التالي > |
|---|









