مقالات
حكومة الاقليم بولادة عسيرة

حكومة الاقليم بولادة عسيرة


تختلف مدد الحمل عند الكائنات الحية كل حسب طول عمره و نمط حياته بين ايام لتصل الى سنين , الانسان واحد منهم مدة حمل الانثى الطبيعية هي تسعة اشهر و اذا ما قل هذه الفترة او طال فحينها يكون الوليد غير سليم ، و انها اشارة دامغة على عدم سلامة عملية الولادة ،و ربما يضطر الاطباء في بعض الاحيان الى اجراء عملية قيصرية صعبة وهناك حالات يضحون بالوليد من اجل سلامة الام و هي اخف الضررين ، و لكي لا نذهب بعيداً فالطب ليس مجالاً لعملنا و لا نريد ان نخوض في اعماق عمل الاطباء لأنه شأن يعنيهم و ما يمليهم امور اختصاصهم ،و لكنها مجرد مقارنة و لو بسيطة .

ان مما جرى عليه الاعراف السياسية هي اجراء الانتخابات لتشكيل هيئات و مجالس و حكومات جديدة في رؤياها و اهدافها بما ينسجم مع الواقع و ما يفرض عليه من خدمات في المستقبل و ان تشكيل الحكومات تأتي بعد الاعلان عن النتائج و جلسات البرلمان و التكليف لتبدأ بعملها في غضون اسابيع او اشهر .

جرى في اقليم كوردستان في( 30/9/2018) انتخابات نيابية شاركت فيها مجموعة من الاحزاب و القوائم و الكتل السياسية و انتهت بأعلان النتائج و عدد مقاعد كل حزب و الى هنا العملية سلمية , و لكن ما ان تبدأ الاحزاب الفائزة بعقد الاجتماعات الداخلية و الثنائية و الثلاثية او اكثر و كل اجتماع يعقد لا يخرج من اطار تشاوري و تبادل وجهات النظر و تفتقر الى ابسط القرارات إلا القرار بعقد اجتماع اخر ، و يبدأ الشعب ينتظر على امل ان تنتهي مسلسل هذه الاجتماعات و خاصة جماهير الاحزاب تتلهف و تعلن ان حزبهم قد احرز هدفاً او اهدافاً , هذه الاجتماعات تبدأ بالاطار العام بضرورة خدمة الوطن و حماية المصالح العليا للاقليم و تنتهي بالصراع على المناصب و التمسك بهذه الوزارة أو تلك الهيئة ،أي انها تدخل دائرة توزيع المناصب فيما بينهم أي ما يعني بأن الاجتماعات المتعددة التي عقدت كانت هدفها الاول و الاخير الحصول على اكبر عدد من المناصب و الوزارات ،و لكن الملاحظ في هذه المرة ،بان الصراع على المناصب دخل في حلقة ضيقة اخرى و هي حلقة الاحزاب فان الحزب الواحد يعقد الاجتماع و يتنافس كوادرها على المنصب الواحد و تشتد هذه الصراعات لتدخل هذا الحزب الى ازمة بعد ازماتها المختلفة ، و هذا مما يزيد المشهد السياسي الكوردستاني صعوبة في التوافق و التحليل و توقع النتائج .

كل هذه الاجتماعات و الصراعات يؤثر سلباً على عملية ولادة حكومة جديدة للاقليم بعد ان مضى على الانتخابات خمسة اشهر و لا يزال المناقشات جارية و تجدد مطالبها يوماً بعد آخر .

و السبب الثاني الذي جعلت الولادة عسيرة و متأخرة هي حصول الحزب الديمقراطي الكوردستاني على (45) مقعداً في برلمان كوردستان أي اكثر من نصف المقاعد بمشاركة المكونات الاخرى ، و هذا ما وضعها في موقف لا يحسد عليه ، فإما ان يرضخ لطلبات الاحزاب الاخرى و خاصة الاتحاد الوطني التي تطالب بالشراكة و الففتي ففتي تقريباً و علو سقف طلباتها بعد كل أجتماع لهم او تستجيب لنداءات جماهيرها التي منحتها الثقة الكاملة و تطالبها بالتعامل على اساس الاستحقاق الانتخابي و الحصول على المناصب وفقاً لها وترجمة لشعارها في الحملة الانخابية (كوردستان أقوى) الى الواقع العملي ، و لكن القيادة الحكيمة للبارتى دائماً ما ترجح كفة المصالح العليا للشعب و الوطن و لا تتمسك بوزارة او منصب و تجعلها تقف حجر عثرة في طريق نضالها الطويل .

و من جانب آخر فان ترشيح السيد مسرور البارزانى لرئاسة الحكومة جعلت ولادتها عسيرة لانه الشخص المتزن الذي يملك الصفات القيادية الموروثة و المكتسبة و معرفته بدقائق الامور و وقوفه لفترة طويلة  على رأس الهرم الامني في الاقليم و دوره الكبير في تطوير علاقات الاقليم و أنه سليل الأسرة البارزانية دفعت بالاحزاب السياسية ان تدرس خطواتها بجدية و تدقق في برامجها و مساعيها و حتى في ترشيح كوادرها التولي المناصب مما آخر تشكيل الحكومة ، وهذا يدل على قوة الشخصية و انه جاد في حمل المسؤولية الملقاة على عاتقه و يستطيع ان يعالج ما يعانيه الاقليم و لكن مع ذلك فان بوادر الخير تلوح في الافق .

و هل يا ترى ؟ ان تأخير ولادة الحكومة عن مدة الحمل يأتي بوليد مشوه و مصاب بأمراض أدارية مزمنة كالرجل غير المناسب في المكان المناسب و العمل بالاهواء الشخصية وفق المصالح الضيقة و فرض الاجندات الحزبية و المناطقية .

ام ان هذا التأخير سيدفع بالحكومة القادمة ان تكون حكومة مؤسساتية قائمة على اختيار الاكفء استناداً الى الخبرة و المهنية و قابلية العمل المستمر و الاتبان بمشاريع جديدة و حديثة لخدمة المواطن والابتعاد او التقليل من الروتين المقفع  .