ستّ عشرة كلمة لتغريدة ترامب

إدريس سالم

وضعت تغريدة من ستّ عشرة كلمة إنكليزية – لرئيس يعتبره العالم مجنوناً – الدول والأقاليم والمحلّلين الإستراتيجيين والإعلام والصحافة بمَن فيهم الكورد في حيرة فوّارة وعقدة غامضة، إذ كيف لرئيس مجنون أن يُحدث زلزالاً سياسياً عالمياً من خلال ستّ عشرة كلمة؟ ماذا يريد؟ ما القادم؟ حرب دولية أو عالمية أم أوامر فرض عليه رئيس روسيا فلاديمير بوتين، الذي دعمه سرّاً وجعله رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، أيّ أن الانسحاب الأمريكي هو خطة وصفقة في آن واحد بين ترامب وبوتين؟

إن اعتبار الكورد انسحاب أمريكا من سوريا "خيانة وطعنة في الظهر" على لسان قوات سوريا الديمقراطية هو كلام عاطفي واستهلاك إعلامي وإرضاء الشارع الكوردي، وحتى لو كانت انسحابها خيانة؛ فخيانتها تعتبر "شرعية"، لعاملين اثنين، الأول، أنها أعلنت منذ بداية علاقتها مع الكورد أنها ستدعمهم حتى انتهاء داعش، أيّ علاقتهم علاقة شراكة مؤقتة، وهناك فرق كبير بين أن تكون شريكاً أو حليفاً أو صديقاً، والعامل الثاني، هو أن الكورد أنفسهم يخونون بعضهم البعض في كل منعطف تاريخي، فيخسرون كل ما بنوه وضحوا من أجله بين ليلة وضحاها.

 

إن أكبر مراكز الأبحاث والدراسات الدولية والعالمية كانت قد وصلت إلى تقييمات وقناعات في أن الأمريكيين باقون في سوريا، وأن شمال شرق سوريا منطقة نفوذ أمريكية، ولا يجب تقاسمها مع دولة أخرى، في حين إن أكبر المحلّلين والسياسيين العالميين بمَن فيهم رؤساء الدول العظمى كانوا متفقين مع هذا البقاء، ولو بالفعل أن أمريكا ستنسحب كلياً من سوريا سنشاهد ونقرأ في قادم الأيام دراسات وأبحاث تحليلية ودقيقة لتلك المراكز، يركزون فيها جهودهم عن أسباب الانسحاب ونتائجها وتداعياتها، وما لها وما عليها، وما إن كانت ستترك جغرافية الشرق الأوسط.

 

من المعلوم أن دونالد ترامب جاء إلى السلطة بدعم من الاستخبارات الروسية، وهذه قضية ونقطة مفصلية في قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، وربّما قريباً من الشرق الأوسط برمّته، خاصة وأن هناك توجّه أمريكي بدأت ملامحه تظهر منذ أن تسلم باراك أوباما مقاليد الحكم في البيت الأبيض، بخفض اهتمام أمريكا في الشرق الأوسط، وأن مستقبل السياسة الأمريكية بات في التركيز على المصالح في ثروات شرق آسيا؛ لأسباب تجارية وعسكرية، ولعل هذا التغيير في السياسة الأميركية هو الذي سمح للكثير من القوى الإقليمية أن تحلّ مكان المساحات التي أخذت واشنطن بالتمهيد لإخلائها، ومنها تركيا وإيران، خاصة وأن ترامب وقبل أربعة أيام من قراره الانسحاب من سوريا طلب من البنتاغون إعداد قيادة عسكرية في الفضاء الخارجي!!

 

إن المهلة التي حدّدها المسؤولون الأمريكيون لإنجاز الانسحاب ستأخذ بين (60 إلى 100) يوم، يعني أنها مهلة لتنظيم وتسيير عملية إخلاء الميدان وإدارة ما بعدها، وروسيا ستكون المستفيد الأول، خاصة وأن سياسة واشنطن قامت على أربع نقاط حيال الدور الروسي في سوريا، أولاً لا مانع من بقاء قوات الكرملين في بلاد الشام، ثانياً لا مانع من بقاء بشار الأسد في ظل العملية السياسية التي يشرف عليها مبعوثو الأمم المتحدة، والموافقة على خطة موسكو للإبقاء على الجيش السوري حامياً للدولة السورية ثالثاً، ورابعاً عدم ممانعة تحكم موسكو بالثروة النفطية والغازية في سوريا.

 

وحدة الصف الكوردي، كذبة الكورد الكبرى. في كل تهديد ووعيد يلجأ المسؤولون والقادة الكورد إليها، وفي كل انفراج فهم ليسوا إلا متحزّبين وتجّار على حساب الشعب والقضية. يبغضون ويخونون بعضهم كما لو أنهم أعداء أزليون. ففي كوباني وعفرين وكركوك وشنكال لم يتوحد الكورد ولو قيد أنملة، فهل سيتوحدون اليوم – بعد الانسحاب الأمريكي – من سوريا ومناطقهم، وسط ثلاثة سيناريوهات تهديدية لوجودهم؟ الجواب سيكون من خلال تسوية سياسية بين المجلس الوطني الكوردي وحركة المجتمع الديمقراطي، خاصة حيال قضية دخول قوات البيشمركة، للاعتراف بهم في الدستور السوري كثاني قومية، ولردع التهديد التركي الذي ربّما قد يترجم إلى واقع عملي وفي جغرافية محددة.

 

يبقى أن نشير إلى كلام مهم وواقعي، ويجب على المسؤولين الكورد في غربي وجنوبي كوردستان الأخذ  به والعمل عليه في المرحلة الراهنة، وهو الكلام الذي نشره الكاتب والسياسي الكوردي شاهين أحمد على صفحته في الفيس بوك، إذ يقول فيه: "... تبقى المنطقة مفتوحة أمام الكثير من السيناريوهات إذا لم تتحرك الولايات المتحدة باتجاه:


أولاً: العمل على معالجة مخاوف تركيا، وسحب الحجج والذرائع المتعلقة بوجود الكوادر العسكرية والسياسية لحزب العمال الكوردستاني في كوردستان سوريا، وإيجاد آلية واضحة للفصل التام بين العمال الكوردستاني وفرعه السوري المتمثل بحزب الاتحاد الديمقراطي، وإخراج كافة كوادر PKK، والتي تنحدر أصولها من أجزاء كوردستان الأخرى من كوردستان سوريا فوراً، ودون تسويف أو تأجيل.


ثانياً: إدخال قوات بيشمركة كوردستان سوريا إلى أرض الوطن، ونشرها على طول الحدود والمعابر الحدودية مع تركيا.

ثالثاً: إطلاق سراح كافة المختطفين والمعتقلين، والكشف عن مصير جميع المفقودين، وفتح كافة المقرات العائدة لأحزاب المجلس الوطني الكوردي.

 

رابعاً: بعد التحقق والتأكد من تنفيذ (أولاً وثانياً وثالثاً) البدء بحوار جدي بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، وبرعاية الرئيس مسعود بارزاني، وبوجود الضامن الأمريكي، وضمن جدول زمني محدد، من أجل الوصول إلى اتفاق شامل.
خامساً: دعوة النازحين واللاجئين من أبناء المنطقة ومن مختلف المكونات، للعودة الطوعية إلى منازلهم ومناطقهم.

 

سادساً: القيام بإطلاق حوار بين ممثلي مختلف مكونات المنطقة، من أجل القيام بتشكيل إدارات جديدة وبمشاركة جميع مكونات المنطقة، من الكورد والعرب والتركمان والآشوريين... الخ، وفق نسبها.

سابعاً: متابعة العمل مع مؤسسات المعارضة الوطنية السورية حتى التخلص من نظام الاستبداد وإقامة البديل الديمقراطي في سوريا ديمقراطية تعددية اتحادية لكل السوريين وبكل السوريين.

 

ويبقى القول أنه حتى المثقف العربي بات مقتنعاً أن حلّ خلاص الكورد من مأزقهم ومعضّلتهم يكمن في الذهاب إلى هولير لا دمشق وقنديل أو واشنطن وموسكو وباريس، حيث جاء في نهاية مقالة الكاتب حازم الأمين أن "أربيل هي الخيار، لا جبال قنديل، وعليها أن تبادر. أمام حلم مسعود بارزاني في أن يمدّ الزعامة إلى خلف الحدود العراقية فرصة. المهمة صعبة، ذاك أنها رقص بين وعي إمبراطوري (تركي) وبين أوهام أيديولوجية (أوجلانية). لكن إنقاذ أكراد سوريا من احتمالات حرب طاحنة مهمة تتطلب المحاولة" فهل سنشهد وفداً كوردياً من – العنترين الكورديين – يتجه قريباً إلى إقليم كوردستان في ظل الانسحاب الأمريكي العسكري وبقاءه السياسي؟