البارزاني قائد سياسي بأمتياز

عبدالله  جعفر كوفلي


ان القائد السياسي يجب ان يكون لديه الموهبة، أي أن الفكر والفهم السياسي موهبة، وهذا لا يمنع أن يصقل موهبته جيداً. أن يكون صريح ويعبر عن وجهة نظره بشكل صريح ومؤثر. لا يجب عليه أن يتحدث كثيراً، وعليه أن يستمع جيداً ويستوعب وجهات النظر المختلفة وأن يختار الوقت المناسب ليعبر عن وجهة نظره. يجب أن يكون متواضعاً، تواضع طبيعي وليس مفتعل. أن يكون قريب من نبض الشارع، فالسياسي يعبر عن أراء الناس، وبالتالي يجب أن يكون قريباً منهم. السياسي واثق من نفسه. السياسي لا يتأثر برأي الآخرين بسهولة، وأن يجتهد ليقنع بوجهة نظره. السياسي شخص صبور وغير انفعالي. قوي الشخصية. صاحب كلمة قوية ومؤثرة في المجتمع. يملك الكثير من العلاقات القوية مع أصحاب المناصب ورجال الحكومة. لغته قوية وحديثه يجذب الناس. حسن الهندام والمظهر . له ثقافة واسعة في العديد من مجالات الحياة.
كان للبارزاني رؤية فكرية واضحة في تعامله مع الظروف و الاوضاع التي يعيشها بحكم تجربته و ثاقب بصيرته , و لم يكن ينجرف مع تيار العاطفة و اهواء المحيطين به , انما كان يحلل و يدقق الامور بتمعن و صبر و اناة , و كان يرسم الخطط للمستقبل في ضوء الواقع الملموس و المستجدات التي كان يتوقعا قبل حدوثها.  
قضى البارزاني اكثر من خمسين عاماً من عمره في النظال المتواصل و القضايا و الصراعات السياسية و كان قد اصبح الفارس المقدام الخبير و العبقري في هذا الميدان , لذا فانه لم يستطيع احد ان يفوز عليه بالرهان بسهولة و كان قد فهم جيداً من ان السياسية هي كذلك علم وفن التنفيذ و انها تحقيق ما في المقدور تحقيقه .
و لا شك في ان البارزاني كان يعلم ان أي شخص او طرف لا يتخلى عن مصالحه من اجل سواد عيون الاخرين , أي لا يضحي بأبنته لخاطر ابن شخص اخر  و ان الشجاع من يرى في نفسه القدرة فليكن في لجة هذا الماء المتلاطم الامواج سباحاً ماهراً لينقذ نفسه . كان ذا موهبة فائقة و عزيمة عالية و قدرة خارقة و همة كبيرة , لذا فأنه صمد بشموخ امام كل المصاعب و عزا صاحب تجربة غزيرة و بنتيجة تأمل عميق و عقد العلاقات و المباحثات مع الاطراف الداخلية و الخارجية , توضح لديه بشكل كامل فن السياسية و اللعبة الدولية السياسية حيث كان التقى مرات عديدة الرؤوساء الترك و العرب و الفرس و الانكليز و الامريكان و حتى الروس ايضاً و جربهم و قيمهم و كان عالماً بعدم شهامتهم و احتيالاتهم و خداعهم و نقض الوعود و التراجع عنها و حيلهم و نكوصهم و عدم وفائهم , لذا يشير (احمد باني خيلاني المعروف بأبو سرباز السياسي الكوردي و العضو السابق للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في هذا الخصوص الى ذلك اذ يكون في خريف عام (1964) عند البارزاني و يتحدث لهم البارزاني عن المفاوضات بين الثورة و الحكومة و يقول في قسم من حديثة ((انني متأكد من ان الحكومات التي تخوص معنا المفاوضات , السبب الوحيد هو احباط و انهاء جيوشها و هي من اجل الراحة و اندفاع اخر و ليس من اجل الحل السلمي للقضية الكوردية ))  .    
لم يكن نضال البارزاني خالياً من النهج الفكري الواضح فالرجل كان يمتلك رؤية سياسية متكاملة منحت رجاله ايماناً راسخاً بعدالة قضيتهم فقد تمثل (مصطفى البارزاني) تجارب من سبقوه في محاولات اثبات الهوية القومية  و الاستقلال : ثورة الشيخ عبدالسلام البارزاني الاصلاحية في كوردستان الجنوبية و تجربة الشيخ محمود الحفيد و دولته المستقلة في السليمانية عام (1919) . و ثورة اسماعيل شكاك تم جمهورية كوردستان في مهاباد (شرق كوردستان و من ناحية اخرى كان متفهماً لظروف العراق فلم يكن داعية لتجزئة او انفصال , كان يبحث عن الممكن و لم يلهث ابداً وراء سراب المستحيل .
لقد رأى البارزاني في الثورات و الحركات التحررية في مختلف اجزاء كوردستان تحقيقاً للون من الوحدة التي تجمع شتات هذا الشعب و تعكس احلامه في التواصل , و رغم اجهاض تلك المحاولات إلا انها ظلت في نظره علامة على يقظة الوجدان الاجتماعي الكوردي , كما شخصّ البارزاني بدقة متناهية العضوية بين الحركتين التحرريتين العربية و الكوردية و رأى ان أي انحسار او انكسار للحركة التحررية العربية سيؤثر سلباً على الحركة التحررية الكردية و العكس صحيح و من ثم كان يؤكد باستمرار اهمية التحالف العربي الكردي . و كان يؤمن بأن الامة العربية هي امة شقيقة للأمة الكردية و قد عاش بقلبه و ضميره مآسي و عذابات الشعب العربي في العراق فحسب بل و في الوطن العربي كله و تجلى هذا في تأييده نضال شعب مصر في تصديه الشجاع للعدوان الثلاثي عام (1956) و ابدى استعداده و جميع رفاقه للتطوع و السفر الى مصر للدفاع عنها , مقتفياً بذلك آثار سلفه القائد الكردي صلاح الدين الايوبي .
كان نضال  البارزاني خالياً تماماً من النعرة المذهبية  او الدينية فقد نجح في جمع شتات القبائل و الاحزاب و الفصائل الكردية ليتم مابدأه شقيقه الاكبر (الشيخ عبدالسلام البارزاني) في هذا المضمار ليصوغ ما يوصف بالمشروع الوطني الكردي ونلاحظ بأن ثورته التي قادها في كوردستان الجنوبية عام (1961) (ثورة ايلول الكبرى) اجهضت تأمر الاعداء على الاكراد بأسم الدين او المذهبية و الطائفية , فجمعت هذه الثورة كل اكراد العراق و شارك فيها اكراد ايران و تركيا و سوريا و المهجر بشتى مشاربهم و مذاهبهم تحت لواء النضال القومي فأمتزجت دماء الكردي و الشيعي و السني و المسيحي و اليزيدي في خنادق المعارك رغم ان البارزاني كان مسلماً ملتزماً راسخ الايمان .
و ان مايدل على نجاح البارزاني كقائد سياسي , اصراره على التنوع و التعددية في النسيج البشري و الفكري لحركته و نضاله فهو شيئ يدعو الى الاعجاب برؤية مستقبلية ادركت مبكراً خطورة التوجهات الاصولية او الايدولوجية حيث تسيطر على حركات النضال التحرري . لقد جنب حزبه و شعبه سيلاً منهمراً من الشكوك و الاتهامات و قوائم الارهاب . كان البارزاني يحرص على الوسطية و التعددية بشكل واضح حتى في خطواته التنظيمية لتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني فجاء اختيار الكوادر ديمقراطياً و ليس عشائرياً او مذهبياً فنلاحظ ان اللجنة المركزية للحزب استوعبت شخصيات سنية و شيعية و يسارية لضمان تمثيل كافة الاتجاهات من اجل بقاء الحزب و صموده كمعبر عن الحركة التحررية الكردية و عن الحنكة السياسية للبارزاني نجد امامنا الكثير من الامثلة و النماذج بالغة الدلالة على سلامة التقدير و حسن الادراك و التصرف , نظرة فاحصة على مطالبه المتكررة للحكومات العراقية المتعاقبة خاصة بعد نجاح ثورة ايلول الكبرى عام (1961) و بعد صعود (عبدالسلام عارف) تؤكد ما تميز به هذا الرجل من وضوح رؤيته لأمال شعبه ,  فصاغ مطالبه مقترنة بحسابات دقيقة و واقعية لما يريده من الحكومات العراقية . في (24 نيسان) بعد توقيع اتفاقية الدولة الفيدرالية بين العراق و سوريا , اشترط البارزاني على الحكومة المركزية ان تحكم كردستان العراق جمعية تشريعية كردية منتخبة بارادة حرة و مجلس تنفيذي تعينه الجمعية و تستجيب له , و تكون السلطات الكردية مسؤولة عن شؤون القضاء و الداخلية و التربية و الصحة و الزراعة و البلديات و العمل و الشؤون الاجتماعية و المصايف و اعادة البناء , بشرط ان يلتزم المجلس التنفيذي لكردستان بسياسات و قوانين الجمعية التشريعية و ان يكون الاكراد وزراء و موظفون في الحكومة المركزية بشكل يتناسب مع اعدادهم .
كان البارزاني يصر دائماً على توفير الضمانات الخارجية و الدولية لتنفيذ الاتفاقات مع الحكومات العراقية و لعل قدراته السياسية و الفكرية هذه كانت دافعاً للحكومة المركزية ان تترك للبارزاني اختيار و ترشيح الوزراء الاكراد في هذه الحكومة . كما تمثل نجاح سياسة البارزاني في الوصول الى اتفاقية (11 اذار 1970) التي وقعها مع (صدام حسين) نائب رئيس الجمهورية فكانت ثمرة لمسيرة كفاح طويل قطعها البارزاني حيث اقرت الهيكل العام لحقوق الشعب الكردي و مساواة الاكراد بغيرهم ووسعت قاعدة الحزب الديمقراطي الكردستاني و فتحت مقار له في بغداد و المدن العراقية الكبرى . و في سياق الحديث عن نجاحات سياسية للبارزاني انه حين تحاور او تفاوض مع الحكومات العراقية لم يكن يتحاور بصفته الشخصية كزعيم و قائد بل حرص دائماً على ان بضع الحوار بين طرفين ليضمن لشعبه و حزبه الشرعية و الاستمرار فلا تتلاشى الثمار و المكاسب بغياب شخص و صعود آخر ليبدأ الطريق من أوله.  
و رغم اكتمال شخصية (البارزاني) بجانبيها السياسي و الانساني لكنه مما لا شك فيه ان النجاح السياسي لاي قضية مرهون بمدى علاقة زعيم الشعب بعصره و قد اتقن البارزاني علم الحساب السياسي و الحكمة السياسية بدقة حيث كان يصرح دائماً ((اننا حملنا السلاح لندفع به الخطر عن انفسنا و لم نكن ابداً دعاة حرب بل سعينا دوماً من اجل السلام على الرغم من كل اساليب القمع و الوحشية التي مورست بحقنا و كان هدفي هو الاخذ بيد شعبي الى حياة مستقرة امنة و نحو مستقبل افضل )) . و ان حب البارزاني لشعبه و حرصه على ان يجنبه المزيد من الالام و الويلات كانا من اهم اسباب استجابته لاية مبادرة من اجل السلام و المصالحة الوطنية و كان على الدوام ضد القتال و سفك الدماء و ميالاً الى التسامح و السلام و قد شهد له بذلك سكرتير مجلس السلم العالمي (روميش جاندرا) عندما قال (اتمنى ان التقي البارزاني و اصافحه لأنه نصير للسلم في العالم) و قال عنه الرئيس جمال عبدالناصر ((البارزاني زعيم اجتمع فيه القديم و الحديث و لقد افنى عمره في سبيل حرية شعبه)).  
لقد كانت الاتصالات التي جرت بين البارزاني و قادة حركة التحرر الكوردية في جميع اجزاء الكوردستان و خاصة مع زعماء الحركة في كوردستان ايران التي كانت في حالة غليان و تطور اثر دخول جيوش الاتحاد السوفيتي و بقية الحلفاء ايران , اثارها و مدلولاتها الايجابية في مواقف البارزاني و توسع رقعة تحركه السياسي و العسكري في ان واحد مما جعلته قائداً ينهض بمهمة تتخطى حدود كوردستان العراق .  
و حسب ماورد في التقارير الواقعية و المنطقية من مسؤولى (KGB) لجنة امن الدولة السوفيتي من امثال جنرال هيئة  امن الدولة (بافل سودو و بولا توف ) الذي كتب حول ذلك في مذكراته و نلاحظ من مذكراته بأنه بالاضافة الى ذلك كان معجباً بالبارزاني كسياسي مثقف و بعيد النظر و ذلك بعد ان تم تكليف وزارة الداخلية في الاتحاد السوفيتي السابق و التي كانت تتبعها في ذلك الاونة KGB لجنة امن الدولة باعداد ملف خاص عن البارزاني و رفاقه و عن سبب نفيهم و عن اوضاعهم بناءً على طلب ستالين و قد وضعه في خزانته الفولاذية الشخصية الذي كان يحتفظ فيها فقط ببعض الوثائق الضرورية جداً و المهمة بالنسبة للدولة السوفياتية و قد سمح لهم ستالين الاستمرار في اقامة العلاقات و الروابط مع البارزاني.  
و منذ نهاية العالم (1943) كانت سمعته و كذلك تأثيره السياسي و قوته العسكرية قبل أي شيئ آخر تنامت الى حد جعل بغداد تفقد الامل كلياً بحل مشكلة الكرد في الشمال التي تحولت الى جزء اساسي من حركة الاستقلال الكردية عموماً بالحملات التأديبية العسكرية المعتادة و لذلك ارادت حكومة بغداد بقيادة (نوري السعيد) السير هذه المرة في طريق المفاوضات و من العلامات الدالة على ذلك كان تكليف وزير بدون حقيبة و من الكرد معاودة التفاوض مع آل البارزاني.  
عرف عن البارزاني (قائد الحركة التحررية الكوردية المعاصرة المرونه السياسية فعلى الرغم من المعرفة المسبقة بنوايا الحكومات المركزية إلا انه لم يدع فرصه تفوته لدخول المفاوضات معها دون ان يساوم على الحقوق الاساسية للشعب الكوردي و بالامكان تلخيص اسباب توجهاته تلك بالنقاط التالية :
كانت كوردستان تتعرض سنة اثر اخرى للحرب دون ان يبدي العالم الخارجي أي اهتمام بوضع الشعب الكوردي فلجلب انظار العالم و نيل عطقه كان البارزاني دائماً مستعداً للتفاوض.  
كان البارزاني يريد ان يثبت للعالم الخارجي ان الحكومات العراقية لاتحترم وعودها و نتائج ما يتوصل اليه في المفاوضات المتتالية و بأنه لا يهاجم بل يدافع و مع هذا فأنه اول من يطرق باب السلام .
كان الهدف من وراء موافقته على التفاوض ان يظهر للعالم طموح الشعب الكوردي نحو الحل السلمي لقضيته .
الاستفادة من فترة المفاوضات لا يصال صوت الشعب الكوردي الى الرأي العام العالمي .
ارضاء اصدقاء الكورد و احياناً السياسات و الوساطات الدولية و الاخذ بنظر الاعتبار ظروف السياسة الدولية لاسيما اذا كانت تشير لغير صالح الثورة الكوردية .
كان يريد في كل مفاوضة ان يضع كبار العسكريين العراقيين في موقف محرج لأن حل القضية الكوردية سلمياً كان بالنسبة لهم الاحالة الى التقاعد أي ان البارزاني و بمجرد قبوله التفاوض كان يرمي بالكرة في ساحة الخصم .
حب البارزاني لشعبه و منع تعرضه للمزيد من الالام و الويلات فعندما عارض عدد من قادة الحزب التفاوض مع الحكومة في شباط (1964) قال لهم ((انكم لاتدرون ما يعانيه الشعب الكوردي) .
تطوير مقاومة الشعب الكوردي و كسب المزيد من المؤيدين في حالة استئناف القتال و الاخذ بنظر الاعتبار موسم الحصاد و تكرس حاصلات الفلاحين .
كان البارزاني لايريد ان يسود القتال و ان تسفك الدماء و ميالاً بطبعه الى التسامح و السلام و كان يردد دائماً ((اذا خطت الحكومة خطوة ايجابية فسنخطو خطوتين في سبيل الخير و الاصلاح و حقن الدماء ))
ان استراتيجية البارزاني كانت تتلخص في الضغط على الحكومات العراقية من اجل ارغامها الجلوس على طاولة المفاوضات مع من كانت تعده متمرداً و انفصالياً و التباحث عن الحكم الذاتي لكوردستان التي كانت الحكومات تعد مجرد ذكره كفراً و انه كان يرغمها في كل مفاوضة على التسليم ببعض حقوق الشعب الكوردي.  
لم تكن من عادات البارزاني ان يطلق تصريحات مفاجئة و لم يكن يستعمل مره واحده القوالب السياسية الجاهزة , كانت اجاباته قصيرة تتسم بالطابع الواقعي و تخلو من التعاليل و التنظيرات له ثقة عالية بالنفس و بقدرات الشعب الكوردي . و عن صدقه في الكلام و التعامل سئل بعض الصحفيين الامريكيين من محطة (ABC) مرة عن انطباعهم عنه فقال احدهم (ان البارزاني انسان صادق لايكذب بعكس ما فعل رئيسنا الامريكي (نكسون) و كان يشير بذلك الى فضيحة (وتركيت) . و ذكر صحفيون اخرون ممن اجروا مقابلات صحفية مع روؤساء دول و وزارات عديدة انهم شعروا و هم في حضرته بشخصية قوية عز مثيلها بين زعماء اليوم انه رجل ابي صلب العود . لقد آمن البارزاني دوماً بالبساطة في التعامل كاحدى انجح الوسائل في احداث التأثير المطلوب في نفوس مفاوضيه للوصول الى هدفه بلا عوائق يضرب الامثال جواباً على سؤال و يروي احداثاً يجلب الانتباه الى نقطة هامة و من صفاته ايضاً كظمه للغيظ و تجاوز السلوك الانفعالي فلا سباب و لا شتائم و لا يرتفع له صوت.  
ان الصفات التي تحلى بها البارزاني كانت ذات تركيب استثنائي فهو استثنائي العدالة , و الشجاعة و الحكمة و الصبر , استثنائي النظر الى بواطن الامور و تحليل ظواهرها و استقرار الماضي و استشراق المستقبل ... استثنائي في قناعته الراسخة من ان الحياة هي موقف.
و يكاد ان تتفق اكثر المصادر و المراجع في المعلومات التي تناولت حياته , هو ذلك الحس الانساني الذي كان يعتمر في نفسه ازاء ابناء شعبه و ان اشد ما كان يؤلمه و يثيره هو وصف بعضهم من الكتاب و السياسيين غير الموضوعين حركة الشعب الكوردي الوطنية بأنها حركة عشائرية او مخربة متمردة و ما ادى الى ذلك من نعوت تدل على الضحالة السياسية و التعامي عن رؤية الحقائق و لأن الشعب الكوردي و القوى المتنوره في العالم كانت تعد البارزاني قائداً للحركة القومية الكوردية و ترى فيه تجسيداً لارادة الكورد و مشاعرهم , فقد كان البارزاني يؤكد دائماً عدالة قضية الشعب الكوردي حتى انه كان يستهل حديثه ببيان هذه الحقيقة  في خطبه و رسائله و حديثه مع كل الوفود السياسية و الصحفية التي كانت تأتي لمقابلته و في سبيل المثال لا الحصر حديثه لمجلة (العربي) الكويتية , لقد بدأ حديثه مع فريق استطلاعها الذي زار كوردستان اعقاب اعلان اتفاقية 11 اذار 1970 و قبل ان يوجه له أي سؤال قائلاً ((عندما تطبق بيدك على عصفور صغير , يسعى الطير المسكين جاهداً للتخلص من قبضتك فيحاول ان يرفرف بجناحيه و يضرب بساقيه محاولاً النجاة ... و هكذا كان حالنا نحن الكورد مشابهاً تماماً كحال العصفور المسكين و مع ذلك قالو عنا اننا قتله و سفاكوا دماء و اهل حرب في حين اننا حملنا السلاح لندفع به الخطر عن انفسنا و اننا لم نكن نسعى ابداً للحرب انما سعينا دائماً للسلام)) . و عن تشويه تاريخ الشعب الكوردي و ثورة الكورد التحررية و تزوير واقعها و النظر بعين الريبة و الشك اليها قال ((ان ما كتب عن الاكراد لايمثل الا عشرة في المائة من الحقيقة ... ان الذي يكتبونه ليس وحياً نازلاً من السماء و انما من وحي مخيلتهم المريضة)).   
و بهذا الشكل فانه من البديهي عند البارزاني الشخصية المحورية في القيادة السياسية و العسكرية لحركة التحررية الوطنية الكوردية باسرها في الشرق الاوسط و ليس لحركة الكورد العراقيين و ليس من قبيل الصدفة انه نشأت في الاربعينيات و في السبعينيات (النصف الاول منها) احزاب كوردية في ايران و في تركيا و سوريا تحت التسمية ذاتها و لها برامج مشابهة مع برامج الحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق , لقد ظلت شهرته و نفوذه في المجتمع الكوردي في الدول الاربع التي تقسم كوردستان – راسخين لاشك فيها .
و عليه فأن الدور القيادي السياسي الذي لعبه البارزاني طيلة سنوات نضاله في الحركة التحررية الكوردية ادت و بشكل ملحوظ على تنمية الابعاد الامنية في سلوكه و تصرفاته من الاشعار بالخطر و التنبوءات المستقبلية و قراءة افكار الاعداء و معرفة اساليب عملهم و دسائسهم و اتفاقاتهم التأمرية على نظال الشعب الكوردي و محاولات طمس هويته القومية , جعل منه قائداً سياسياً امنياً محصناً بافكاره و تطلعاته نحو الافق .