نهج وعقيدة البارزاني

صبحي  ساله يي

  لايمكن نسيان ما حدث في السادس عشر من أكتوبر الماضي وما بعدها، والخراب والتمزيق، وتلك الأيام الصعبة المؤلمة، ومواقف الذين أبدوا إستعدادهم للإنغماس في مواجهتنا وإجهاض تجربتنا والتورط في الأدوار والسياسات العدائية الشائكة المستقبلية، وما ذكر في بعض الفضائيات والمنابر الإعلامية العراقية التي نظرت بريبة لكل ما له علاقة بالكورد في العراق، بمجرد لقاء هنا وكلمة معسولة هناك ورسالة تبعث بمناسبة نوروز أو عزاء أو إجتماع في مناسبة وطنية أو دينية.  

  بعد العام 2003، في ظل ظروف شديدة التعقيد، حرص الكثيرون على تطوير علاقاتهم مع الكورد، أما العلاقات بين أربيل وبغداد فقد ظلت تتراوح ما بين التقارب والتباعد، وبين التعاون والصراع. في مجال التقارب والتعاون، كان هناك إنسجام وتفاهم بين السياسيين، وإجتماعات دورية لتخطي العقد ومواجهة التحديات التي تواجه العملية السياسية وبناء الدولة، كما كان هناك مناقشات لجميع القضايا قبل إتخاذ القرارات المهمة وتنفيذ الإجراءات، وفي مجال التباعد والصراع، فقد حدث عندما إشتد ساعد الشركاء في بغداد وعندما إنفرط عقد اللقاءات، وعندما تحول الإنسجام الى خصام والتفاهم الى تنافر وإختلاف، وأراد بعضهم أن يوظفه علنياً لصالح أجندته ومشروعه الخاص. وفي الخفاء عندما تم نشر ثقافة المعاداة لكل ما هو كوردي وكوردستاني، والتخطيط في العمق لتسيير الأمور بإتجاه الإطاحة بالآمال الكوردستانية، وعندما تم تجاهل كل طلبات الإقليم الدستورية والقانونية، وعندما مارسوا الضغوطات من أجل تضييق الخناق على الكورد وتركيعهم للإملاءات المزاجية والإنسياق مع مشاريعهم، حيث وصل الى التلويح باستخدام الطائرات الحربية المتطورة ضدهم حال وصولها الى العراق. وعندما بات رأس الكوردي مطلوباً في غالبية الحسابات السياسية، وعندماإختلطت تجربة العمل السياسي بالفساد والفشل، وعندما تم إفتقاد الرؤية لتجاوز التحديات والتركة الثقلية وإنطباعات المرحلة السابقة، وفي تحديد المسارات والمنطلقات والأولويات والمسؤوليات الوطنية والأخلاقية.

  لابد هنا من التأكيد على أن التصريحات التصعيدية، من الجانبين، ساهمت بالتدريج في تفاقم الخلافات بين بغداد وأربيل، ووصلت الى مرحلة التشنج والإصرار على الأخطاء الفضيعة، وتناسلت الأزمات وكانت لكل أزمة إرتباط بسابقتها وأسوأ منها، وظهر على الساحة أناس يتلاعبون على حبل المزايدات الرخيصة فأثاروا ألفتن وإختلقوا المعضلات، وتجرع العراقيون كأس المرارة وتلقوا كيل من الضربات المؤلمة المخيبة للآمال والمرتبطة بالغدر والخديعة، والتي لايمكن نسيانها. كما رأينا البعض من كبار المسؤولين في الحكومة وفي الكتل السياسية الفاعلة والشخصيات الوطنية، وهو يبلي بلاءً حسناً في الحفاظ على أواصر المودة والإحترام المتبادل ويعمل من أجل التخلص من التردد والإرتباك.

وحينما نادينا عن طريق الإستفتاء الشعبي والتفاهم والحوار الحر الديمقراطي،  سمعتنا حكومة بغداد، لكنها، وفي غمرة التطورات، أقدمت نحو خطوة شديدة الخطورة على المستوى الإستراتيجى، وأظهرت للعالم مرةً أخرى فشلها في معالجة مشكلات، وبدلاً من دعم المطلب الكوردي والإعتراف بالأخطاء، والتي تعتبر من الفضائل، والتصرف بالعقلانية والتريث والتقريب بين وجهات النظر المختلفة، إنجرت نحو التصعيد والفخ المظلم الذي نصبه لها المتربصون بها، فبحثت عن العون الخارجي الذي لا يمكن أن يقدم لوجه الله ودون ثمن، وإنزلقت، فوقعت في شراك العمليات العسكرية التي تتعارض مع الدستور، وأضافت شقاً وأزمة وإنقساماً جديداً الى الشقاق والأزمات والانقسامات الموجودة بين اربيل وبغداد، وقطعت خيطاً آخراً من الخيوط المشتركة بينهما.  

الكوردستانيون، المتمسكون بنهج ومبدأ الخالد مصطفى البارزاني، ورؤية وعقيدة الرئيس مسعود بارزاني، والذين لديهم حكومة إقليمية قوية تحظى بالمقبولية الداخلية والإقليمية والدولية، يمتلكون أوراقاً كثيرة يستطيعون أن يلعبوا بها، مازالوا حريصين على التعايش والتسامح مثلما كانوا دائماً، وما زالوا يفتحون أبواب الحوار لإستيعاب كل وجهات النظر والإتفاق، لأنهم على ثقة بأن الإنفتاح والصداقات تصنع السياسات الناجحة. وينتظرون تنقية الأجواء المشحونة بالتوتر وإنعدام الثقة ورفع المعاناة عن كواهلهم بالحوار والتشاور البناء ورسم رؤية مستقبلية واضحة تحدد معالم المستقبل، لكي يخرج الجميع منتصرين رابحين. كما يبحثون بجدية عن الحلول المناسبة التي ستجلب التآخي والتعايش والإستقرار والأمان.