المراجعات الفكرية

محمد رؤوف  محمد

المراجعة وليس التراجع، فالمراجعة تفرضها الحياة والواقع، فالقاعدة القديمة للفقهاء والأصوليين يقول ( الفتوى تتغير زماناً ومكاناً وعوائد ) تشير الى أنّ كل تغيير في الحياة تؤثر في تغيير مسار الفتوى ومضمونها ، فهذا في أمور الدين ، فكيف بأمور الدنيا ، أو الدعوة  ووسائلها أو السياسة وتعقيداتها،
( فالزمان الذي جاء في القاعدة المذكورة)  :يشمل السلطة والسياسة ونظام الحكم ، وكذلك الاقتصاد والعلوم ، وإلا فلا معنى له ،
غُيِّر الزمن : أي أحوال الناس والسياسة والعلاقات والاقتصاد ،، والزمن والايام قد تأتي بمعنى واحد ، فنرى في القران الكريم ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ). ال عمران139الأيام أي : النصر والهزيمة ، السلطة والسادة ، الهيمنة والقوة ، التقدم والتأخر ، الفقر والغنى ، التنمية والدّٓين والفساد ، إذاً هذا المفهوم وهذه المفاهيم والمتغيرات تقتضي المراجعة الدائمة في كل المسارات والمجالات ، وإلاّ تتعطل الحياة ، والحقيقة أنّ الحياة لا تتعطل ، ولكننا نحن نتأخر ونستعين فيما بغيرنا في أمور حياتنا....  
    ( وأما مكاناً  ) : فهو البيئة المتغيرة ، أي بيئة القرية والمدينة ، بيئة دار الاسلام وغيره ، بيئة سياسية حرة وبيئة دكتاتورية ،  فمثلاً :مكان واسع يسع الجميع نصلي معاً ونحج معاً ولكن لضيق المكان نصلي وجبتين أو أكثر، وكنا كلنا نحج والآن من كل الف شخص مسلم شخصاً واحداً، وقد يكون هناك شخص قادر مستطاع ولكن العدد لا يسمح له فرصة الحج ويموت ، وليس عليه وزرٌ وقسْ على هذه الشاكلة أمور الحياة  ،، إذاً المراجعة شيئ تفرض نفسها في الحياة دون توقف ولو لا أمر المراجعة لكفانا أسلوب الحياة قبل ألف عامٍ ، ولمّا نحتاج إجتهاد المجتهدين ، وإبداع المبدعين والمبتكرين بآرائهم وأفكارهم الخلّاقة ...
   ( أما العوائد والعادات ) : فهي بمعنى اختلاف الثقافات ، والاعراف الاجتماعية ، صحيح ان العرف والعادة مقسّمة الى قسمين (حسن ٌوفاسد) وهذا بناءً على ان ّ كل عرف يخالف ثوابت الشريعة والقيم الاساسية الانسانية المحكمة فهي خاطئ او فاسد ، ولكن هناك قاعدة فقهية تقول ( العادة محكمة ) وهذه القاعدة لها حضور في كافة اكثرية الدساتير والقوانين في العالم وعبر القرون ، فهذا تعني أنّ في كلّ أمّةٍ ولكلّ أمّةٍ أعرافٌ وعاداتٌ جميلة ، وهي إما مِنْ إنتاج فكرهم أو تجربتهم في الحياة ، وهذه تقتضي التغيير في الحياة ، ومسيرة الحياة يغيّر نفسها بنفسها ، فَإِنْ لم نكنْ مبادرينَ ، فالحياة تفرض علينا انْ نكون أمِعَّةً إتِّكاليين ، إذاً فلْنبدأ بالتغيير ، وأن لا نخاف التغيير..
فاليوم القضايا المطروحة للمراجعة الدائمة في مجتماعاتنا باتت تنتظر الموقف الجريء والتغيير الجذري  ، والرؤية الفكرية الواضحة ، فمن أهمها :
     قضية المرأة وحقوقها السياسية والمالية والاجتماعية ، والثقافية ، فأكثرية الأشكال كانت تنبع من الموروث ، وليست ديناً أو شريعةً ، فالحياة فرضت علينا المرونة والتغيير..
 وقضية الحرية الفردية والحريات العامّة ، أصبحتْ معضلةً فكرية بدل أن تصبح مبادئ أساسية لتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية ، وأن نبني عليها رؤيتنا الشرعية ، وإقامة سلطة الانسان والمواطن ودولة المواطن ، ولكن مع ذلك كلنا ( أفراداً، وأحزاباً ، وسلطة ً) لمّا ننظر الى حكومات المواطن في بعض دول العالم سرعان مانقولُ ودون توقف ، الانسان يستحقُ نظاماً عادلاً وكرامةً مصونةً مثل هذه الدول ..إذاً فماالمانعُ غير الخوف من التغيير في أسلوب الحياة ، وإدارة شؤونها؟
   وقضية الديمقراطية ، والتعددية ، واحترام الاخر، وتداول السلطة السلمي ، وصلت الى مرحلةٍ مؤسفة في بلادنا ، فصارت الديمقراطية توأم البترول، بمعنىٰ أنّ البترول بالأساس نعمةٌ من الله لعباده، ولنّنا حوّلناها نقمةً للعباد وفساداً للسلطة ، وسبباً لأنهيار الاقتصاد، ووسيلةً لخلق البطالة المقنعة ، وأكثر من تلك وأنكىٰ وأخطر وهي ؛ أبتكرنا في بلادنا المنكوبة نوعاً خاصّاً من الديمقراطية  وهي الديمقراطية الموجّهة من قبل السلطة ، والمحددة سقفها ، ووضعت أمامها علامات المرور الثلاث فالاخضر منها ثلثٌ في أحسن الأحوال ، والثلث كثيرٌ، فالديمقراطية من هذا النوع بريءٌ من الديمقراطية الحقيقة برائة الذئب من دمِ يوسف  ، ولا يدري الشعب لماذا الى هذه الدرجة الخوف من المواطن ، علماً أن المواطن هو الذي يحمي السلطة والدولة معاً، ولكن بشرط العدالة وحفظ الكرامة ، اذاً السلطات وأحزاب السلطة تعرفون وسيلة الحماية وهو المواطن البريء ، فلماذا لا تلتجأون اليه ؟ الجواب واضح وهو الخوف من التغيير وعبودية المألوف ، وإذا لم نبدأ فالحياة بقوانينها الكونية تغيرنا ، كما غيّر الامم والشعوب والحضارات بسُنّة ثابتة ، ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )  
         وسوف يكون للبحث صلة ان شاء الله