داعش هي ثمرة الجينات الثقافية وأوهام الإستراتیجیات الأصولیة

د.سامان سوراني

ما أکتشفناه من التاریخ هو أن الهويات الثقافية تتغير و تتحول بفعل صروف الزمن و بحكم التفاعل مع الحضارات السابقة و ديمومتها، منها الحضارة الفارسية، الهندية، الصينية و اليونانية.
أما التفاعل مع الديانات التوحيدية كاليهودية والمسيحية، التي إنشق عنها الإسلام و حاول نسخها أو تطويرها، فله تأثير كبير علی تلك الهوية.
 لقد أصبح من المسلّمات بأن الذي يدّعي التطابق مع الهوية الثابتة لا يمارس إلا زيف وجودي و تهويم عقائدي، لأنه‌ بات في سلعه و أدواته أو في لغته و مفردات وجوده، بمعنی من المعاني أوروبي، أمريكي أو الماني أو ياباني أو شرق أوسطي.
فمن لا يحسن أن يتغير بالرغم من الفرص المتاحة له، فسوف تهمشه التحولات، فيغدو هو آلة لها أو يزداد تبعيته للغير، وهكذا يهدر موارده و ينخرط في دعوات مستحيلة مآلها الهلاك والدمار.
داعش، أو ما يسمی بالوحش الإرهابي، الذي يجد مسوغاته في ثنائية الإيمان والإلحاد أو في عقلية التكفير، التي تقسّم الناس بين مؤمن يراعی حقوقه و يحترم و غير مؤمن يرفض و يقصی لكي يدان و يتهم، يفاجئنا من حيث لا نحتسب. من هو الداعشي؟ إنه نتاج العقول و ثمرات الأفكار.
تربية هذا التنين و رعايته كانت و لا تزال في العقول والنفوس، سوّقت من قبل الصحافة والشاشة و الديسكتوب بعقائد و مقدسات و شرائع و فتاوی وهويات عنصرية و إستراتيجيات أصولية مبنية علی الإستبعاد والإستئصال.
إبراهيم السامرائي "أبو بكر البغدادي"، إلە وخلیفة عصابة الأشرار، يشدّ بعد کل الهزائم التي تلحق به و بعصاباته المجرمين "عزيمة" مقاتليه، یستنهض قطیع الانتحاريين و یدعو من یسمّیهم "قوافل الاستشهاديين" إلى تحويل الدماء أنهاراً، وكأن العراق قد عاش طيلة السنوات السابقة بعيداً عن الإرهاب الحروب والدمار و أنهار من الدماء.
أبو بكر البغدادي و غيره ، الذين أعلنوا حربهم ضد الإنسانية و الحضارة و التعايش السلمي، هم من صنع الدعاة الجدد الذين إحتلوا المنابر والشاشات منذ أكثر من ربع قرن، تحت لافتات الحكومات الشرعية و الصفات اللاهوتية والمهمات الإلهية، وهم ثمار المفسّرين المشّعوذين، الذين يزعمون دوماً، بأن التجارب والأبحاث العلمية في ميادين العلم من المبادیء والنظريات، لا تعطي بالجديد، لأن كتاب الله المقدّس ينطوي علی العلم بكل شيء.
إنهم ثمار الأبله الثقافي، الذي سلّم أوراقه و شهاداته الی مرجعه أو شيخه أو أميره، الذي بدوره يختم علی عقله و يعمل علی قولبته، لكي يخلق و يمارس بعملياته الإرهابية سيناريوهارت الأكثر همجية و وحشية. وهم ثمرة الأوامر الدينية و الحكومات الدينية و المرجعيات الغيبية و الشعارات الأحادية و الثوابت الأبدية، و سوی ذلك من المشاريع الشمولية، التي يدعي أصحابها إمتلاك مفاتيح الحقيقية المطلقة، لممارسة الوكالة الحصرية علی الهويات والقضايا المصيرية، خرجوا من جين ثقافة الأصولي الإرهابي، الذي يدعي إنقاذ أمة الإسلام بالعودة الی أنماط ونماذج بائدة يستحيل تطبيقها إلا بزرع الرعب و زعزعة الأمن و سفك الدماء و تدمير معالم الحضارة والعمران.
لاینفع دحر هؤلاء الإرهابیین والإنتصار علیهم عسکریاً فقط، علینا تعبئة كافة القوى الحية في البلاد من اجل محاربة هذا الفكر ونقصد بالقوة الحية العلماء والكتاب والصحافة ووسائل الاعلام وقادة الراي. فبتضافر جهود الجميع یمکن إرجاع هذا الفكر الى الوراء ليحل محله الفكر الواعي المتزن.
على حكام المنطقة تغيیر اسالیب  تعاملهم مع شعوبهم، ففي العراق وسوریا مثلاً شاهدنا کیفیة إقصاء کیانات مهمة، لم يسمح لهم بالمشاركة السياسية، حیث صار التمييز بين الافراد والطوائف علی أساس المذهب والعرق بعیداً عن تطبیق الشفافية والحكم الرشيد أو العدالة.
إن إحترام إرادة الشعوب في اختيار من يتولى أمورهم وفي اختيار التشريعات لتدبیر أمورهم قضایا أساسية لمن یرید معالجة حقيقية لظاهرة الإرهاب.
من الضروري بعد دحر الدواعش معالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية و توفير فرص العمل للشباب العاطلين عن العمل، لأن البطالة مدعاة للجريمة ولا سيما إذا كان صاحبها عرضة للدعاية والحث على ذلك وليس له من الوازع الديني والعلمي ما يحصنه. علینا ترسيخ مفهوم الوسطية واشاعة ثقافة الاختلاف و الحوار، إنه سلوك حضاري. ونعني بالوسطية والاعتدال التوسط في التعامل مع النصوص وفي التعامل مع الناس. إن مكافحة الإرهاب لا تجدي بأن نردد أقوالاً حول العقول المغلقة، أو تقديس التراث، فيما نحن نتمسك بجذر المشكلة و نمانع من كشف الغطاء عن الداء، كما يتجسم في النصوص والأوامر والأحكام والفرائض التي نعتبرها منزلة أو مقدسة أو نهائية. التمسك بنصوص و أحكام من غير معرفة مدی تداعياتها و مفاعيلها السلبية أو المدمرة هو أساس المشكلة ولايمكن وصفها بالحل.

إن بناء العلاقة بالحقيقة علی أساس الحجب والتعتيم تجعل علاقاتنا بالعدالة تبنی علی الفحشاء والمنكر والفساد، و تجعل علاقاتنا بالحرية مبنية علی المفاضلة و الإستبعاد والطعن والإنتهاك.
و سوف تظل محاولات التقريب والحوار غير ناجحة طالما هناك مفردات كالشرك والكفر أوالبدعة والضلالة، التي هي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، تشكل صلب العقيدة والعدسة التي من خلالها يری الواحد الی غيره، لكي يدينه و ينزّه نفسه و يؤول العمل بموجب ثنائية الضال والمهتدي أو المحق والمخطیء والتشبث والإحتماء بالهويات المسيجة والسيادات المصطنعة الی خلق الخداع والضلال و تقلص الأمور الجامعة والمساحات المشتركة من القيم والمعايير والقواعد أو من اللغات والتوسطات والأدوات.
الأنظمة المبنية أساساً علی الخطأ والخلل أو إعتقادات و تصورات و قناعات و سياسات قد إستنفدت نفسها، لا تولد سوی المساویء والمخاطر والكوارث.
فلنبدأ بنقد ذواتنا و نتحدث عن أخطاءنا بشفافية لكي نستطيع أن نولّد تغييرات إيجابية، ولو محدودة و خجولة، علی صعيد الحقوق والحريات الديمقراطية.  
وختاماً: "النسبية والإختلاف، هو الذي يفتح الإمكان أمام محاولات التقريب والإتفاق، بعقلية الشراكة الفعالة والبناءة، بما هي محاورة و محاججة أو مداولة و مواكلة أو مبادلة ومعاونة."