رئاسة الاقليم ومستقبل نيجيرفان بارزاني/ القسم الثالث

علي حسين فيلي

القسم الثالث/ علي حسين فيلي/ طبيعي في البلدان ذات النظام البرلماني والتجربة الديمقراطية والايمان بالتداول السلمي للسلطة فان الاحزاب الفائزة في الانتخابات هي من تقوم بتشكيل الحكومة وكوردستان ليست مستثناة من هذه القاعدة، ولكن اثناء تشكيل الحكومات الاولية في الاقليم ومن ثم انتخاب السيد نيجيرفان بارزاني رئيسا لتلك الحكومات على غير ما يحصل في المناطق الاخرى فانه اصبح وارثا لمجموعة من العراقيل والمشكلات السياسية والاقتصادية والامنية ما يفوق الحدود. على سبيل المثال ان اكبر مشكلة لإقليم كوردستان على العكس من البلدان الاخرى انه ليس له حدود واضحة ومستقرة (الامن القومي) وهذا يشكل قلقا دائما للحكومة والاطراف المرتبطة بها. من الواضح انه الى حد ما كانت الملكات الشخصية دور في اي نجاح في برنامجه الحكومي ولكن بغض النظر عن مكانته وامكانياته كان لتكليف وثقة حزبه به في مهامه دورا بهذا الصدد.
كما انه ووفقا للدلائل التاريخية يشكل نيجيرفان بارزاني الجيل السادس من اسرة شرعت في عهد الشيخ محمد بارزاني منذ نهايات القرن التاسع عشر بنضالها التحرري ضد الآغاوات والملاكين بهدف احلال العدل والمساواة.
كما ان في نضالها المعاصر يعد نيجيرفان بارزاني حفيدا لأكبر زعيم للحركة القومية الكوردية الملا مصطفى بارزاني، ونجل الشخصية المناضلة لشعبه ادريس بارزاني وابن اخ الزعيم القومي المعاصر لكوردستان مسعود بارزاني وفي الحزب يشغل منصب نائب الرئيس.
ولشخص ترك الطفولة بسرعة وشارك بشكل مباشر في النضال والدفاع عن شعبه فضلا عن ملكيته للتضحيات النضالية لأبناء شعبه وصاحب ملف الابادة الجماعية (جينوسياد) ثمانية الاف بارزاني من الصعب ان يسمح بتكرار ذلك التاريخ الذي عاش كل تفاصيل كوارثه.
نجيرفان بارزاني من اولئك القادة الذين برزوا بعد نهاية مرحلة الحرب الشرسة للحكومة المركزية ضد كوردستان بنظرة مختلفة الى العالم والتماهي مع حاجات العصر في ميدان بناء الدولة.
وبهذا الصدد فان مواليه وخصومه في جبهة واحدة في الشهادة له انه على الرغم من انه في السنوات الماضية لم يكن غافلا عن خدمة افكار وبرامج الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي منحه اكبر واطول ثقة لرئاسة عدة دورات لحكومة الاقليم، ولكنه كان مرة اخرى افضل شخص لحل مشكلات اقليم كوردستان خصوصا في هذه المرحلة. من الطبيعي ان تقييم برنامج عمل الحكومة والدولة في النظرة الداخلية والاحزاب والاعلام مختلف كثيرا مع رؤية المهارة والعلمية في المراكز البحثية في العالم المتقدم. في العراق وكوردستان لا يتساءل احد عن البرامج والادلة كون الاحكام قطعية ولكن في عالم الوثائقية وقواعد البيانات لا يتكلم احد من دون ادلة ومعلومات، فجميع المراقبين موافقون بانه طرق ابواب الاحزاب السياسية وخصوصا المعارضة من اجل نجاح مشروع الاستقرار السياسي في كوردستان عشرات المرات واكثر من ذلك في الايام الصعبة للصراعات الداخلية والتهديدات الخارجية ضد اقليم كوردستان كان بسياسة الصمود اكثر الناس تفاؤلا.
لا العراق الفيدرالي خال من المشكلات ولا جميع مشكلات كوردستان ازلية وطبيعية! وكما يقال فان معظمها مصطنع. مثل مرحلة التجويع والحصار والتهديد العسكري والحرب الاقتصادية الى مساعي كسر ارادة وشوكة هذا الشعب التي لم تكن حكومة بغداد الوحيدة بها.
في عام 2005 من دون ان يمنحه احد العصى السحرية سلمت مجموعة من الملفات المعقدة والصعبة في اوضاع حساسة وفي ارض ذات حدود مخترقة دائما بيد نجيرفان بارزاني وكان اوضحها ما يأتي:
على المستوى العراقي برزت معضلة القراءات المختلفة لسلطات وحقوق الاقليم من قبل الحكومة المركزية والازمات واختلاق المشكلات المستمرة بسبب عدم الاهتمام بالحقوق الدستورية التي يمنحها النظام الفيدرالي لحكومة الاقليم.
على المستوى المحلي، ارض مدمرة ومن دون سيادة وشعب فقير ومنهك وكيان من دون بنى تحتية اقتصادية مع الجراح غير الملتئمة لآثار الحروب الداخلية المستمرة لسنوات عديدة واستمرار ظاهرة الادارتين في حدود سلطات الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني (حكومة اربيل +حكومة السليمانية) وجدير بالذكر هنا ان الحكومة ذات القاعدة العريضة في عام 2005 كان الغرض منها فقط ارضاء الاطراف فكان لها 42 وزيرا. وهذا ما يجعل اي رئيس حكومة لا يعبر من مرحلة السعي للحلول اليومية من دون الالتفات للبرنامج طويل المدى.
ان التجربة الاولية في كوردستان تظهر ان رئيس الحكومة لا يستطيع الخروج من نصائح واوامر وتوصيات الحزب والحقيقة ان بارزاني كلف بهذه المهمة والامكانات والدعم والتجربة ومكانة الحزب ومن الطبيعي ان ينتظر الحزب جوابا مطمئنا ولكنه في عملية تمدين مسار حياة المجتمع كرئيس للحكومة ومن اجل اشراك جميع الاطراف في اعادة الثقة وشكل السلمي لحل المشكلات تبنى سياسة "حلوة" في واقع مر في هذا الاقليم.
فكثيرا ما كانت قراراته وخطاباته وبرامجه غريبة حتى عند رفاقه لحد اظهار عدم الرضا والقلق. من هذا المنطلق من الطبيعي عند الحديث عن مشروع التسامح وصناعة المستقبل كانت اعماله مرضية عند الاطراف الاخرى اكثر من نظرة حزبه لها. مثلا وصلت المعارضة في عهده الى برلمان كوردستان بشكل رسمي. النقطة المثيرة للاهتمام ان ما جرى كان من دون رمي الاطلاقات وسببه كان ان حكومة نيجيرفان بارزاني منعت وقوع المواجهات لأنه في الاساس خرجت تلك الحركات من ضلع الاحزاب السياسية لا الشارع. اي ان الاحتجاجات السياسية خرجت من داخل الاحزاب الى الميدان وتسببت بفوضى في بعض الاماكن وتحملت الحكومة وزرها واجبرتها على التوسط. والنقطة المثيرة للاهتمام هي ان بعد تأسس حركة التغيير مع ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني كان الحليف الاستراتيجي للاتحاد الوطني فهو كرئيس للحكومة وقبل اي شخص اعترف بشرعية الحركة وتعريفها رسميا وقدم لها التهاني ومن ثم شجعها على الاشتراك في الكابينة الحكومية وفقا لاستحقاقها، وهذا يأتي لاعتقاده ان كوردستان لن تخلو من الاحزاب، ونواة تأسيس حكومته وفق اسس عصرية مع استمرار المشاكل التاريخية لن يأتي بنجاح، وبالرغم من ذلك فان اقليم كوردستان خلال اطار العراق الفدرالي تأثر في الحرب القانونية والسياسية والامنية والاقتصادية، اما بسياسته الناعمة الرصينة لم يخسر تلك الحرب، والتقدم في اقليم كوردستان قبل ان يظهر في الطرق والجسور والاسواق التجارية الكبيرة ظهر في رفاهية العيش لدى المواطنين والامن والاستقرار، وتاريخ ولادة مشاريع استراتيجية تضمن المستقبل في المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية غالبيتها كانت في زمان حكومة السيد نيجيرفان، ومعيار التقييم كان في زيادة نسبة بناء الصروح العلمية، والبنايات الصحية والتربوية، والمتنزهات والملتقيات الثقافية والفنية، وكما اكد رئيس الوزراء في مناسبات سابقة بالقول "امنحونا المجال لننافس دبي"، وان هذه المقولة التقدمية الحضارية اصحبت ضحية لإعداء التطور.

يتبع..