حركة الاحتجاج كمعارضة شعبية

جاسم  الحلفي

اذا كان النظام الشمولي يسحق المعارضة ولا يعترف بها، فمثله نظام المحاصصة الطائفية، الذي لا يسمح بوجود معارضة حقيقية. انه يوصد جميع الابواب والمنافذ امام اي نوع من انواع المعارضة الرسمية، ويحصر التمثيل البرلماني بصقور الطائفية وممثليها، عبر قوانين وسياقات ترسخ اعراف احتكار السلطة التي تجانب الديمقراطية، وترسخ سلوك الاستحواذ  والهيمنة على القرار السياسي، فاضحة ادعاءات التمثيل الديمقراطي.

اما الصراع الذي يدور بين المتحاصصين، فهو صراع محدود النطاق، لا يمتد الى اسس المحاصصة بل يدور ضمنها، وبهدف ترسيخها.  فهو يعدها منهجا للحكم وطريقة لادارته، يؤمّنان اعادة انتاج رموزها في السلطة ويوفران اجواء تأبيد وجودهم فيها، مع تنظيم اعادة توزيع الحصص.

ويضمن منهج المحاصصة امكانيات نهب الاموال العامة وسرقتها بمختلف الاساليب والاشكال، واضفاء شرعية زائفة على امتيازات لا يقبلها العقل، الى جانب ادارة صفقات المشاريع الوهمية. وقد كوّن في النهاية فئة حاكمة فاسدة، لم تكتف بذلك بل اقامت فوقه تحالفا مع تجار الفساد، الذين اسهموا في تخريب اقتصاد البلد، اذ ابتكروا آليات التخريب والسطو على الاموال العامة، وأخطرها  الاستحواذ على مزاد العملة الذي افرغ الرصيد الاحتياطي للبنك المركزي. وقد فعلوا ذلك عبر بنوك اسسوها بالشراكة مع طغمة الفساد، مكوّنين تحالف السرقة والفساد، الذي تحميه السلطة، ويزين بشاعته وقبحه اعلام الفساد.

لكن شرعية الفئة الحاكمة تراجعت ووهنت، ليس فقط بسبب التزوير الواسع والمتنوع الذي صاحب العملية الانتخابية والذي اكدته اعترافاتهم هم، انما ايضا بسبب سعة الانتهاكات التي رافقت العملية الانتخابية، الى جانب قانون الانتخابات الذي صمم بهدف احتكار السلطة، فيما كان فشلهم كبيرا في تحقيق اي منجز امني او خدمي. وذلك ما افقدهم قبول ورضا وقناعة المجتمع بهم.

في ظل غياب المعارضة البرلمانية، وعلى خلفية ازمة النظام السياسي الشاملة والعميقة والمتشابكة، انطلقت الاحتجاجات متخذة عدة اشكال، ابرزها التظاهرات التي تنتظم أسبوعيا عصر كل يوم جمعة، في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد  وفي مراكز المحافظات. وقد اخذت موقع المعارضة الشعبية في مواجهة المحاصصة والفساد ونقص الخدمات، واستمرت في وتيرتها وتوسيع نطاقها، بغض النظر عن صعود وهبوط اعداد المتظاهرين.

فالحركة الاحتجاجية بهذا المعنى هي حركة معارضة شعبية، تحاول أن تؤسس للبديل المدني الديمقراطي لنظام المحاصصة والفساد، وهي وسيلة مهمة للتعبير عن آراء المحتجين ضد منظومة الفساد، وآلية مناسبة تُرفع المطالب المشروعة من خلالها، ووسيلة للضغط على اصحاب القرار كي يستجيبوا لهم.

وحركة الاحتجاج هي ايضا اطار لمعارضة شعبية تتنامى وتتسع صورها وتتعدد اشكالها، وان احد مظاهر قوتها هو استمراريتها.