تأجيل الانتخابات البرلمانية.. الأسباب والنتائج

ليث شبر

ينقسم الخطاب السياسي في الإعلام والمواقف إزاء الانتخابات البرلمانية التي تم إقرارها من قبل مفوضية الانتخابات ومجلس الوزراء في منتصف الشهر الخامس 2018 ينقسم الى ثلاثة توجهات..
الأول.. إجراء الانتخابات في موعدها وعدم السماح بتأجيلها تحت أي ظرف أو عذر.. والجهات الداعمة لهذا التوجه هي.. 
1. رئيس الوزراء الدكتور العبادي والذي أفصح عن موقفه في أكثر من خطاب وأكده في أكثر من مناسبة..
2. مجلس الوزراء والذي صوت بالإجماع على تحديد موعد الانتخابات القادمة في 15 مايو 2018.
3. مفوضية الانتخابات والتي أكدت جاهزيتها لإجراء الانتخابات البرلمانية في عموم البلاد وحددت الوقت القانوني لإجرائها..
4. المرجعية الدينية التي أكدت وتؤكد دوما أنها مع الدستور وتطبيقه والالتزام بما جاء فيه..
5. القوى المدنية والأحزاب الوطنية والتي ترى أن هذه الانتخابات فرصة عظيمة لإجراء التغيير وتصحيح مسارات الفشل في ادارة الحكم في العراق..
6. الأمين العام لحزب الدعوة السيد المالكي الذي أكد مرارا أن تأجيل الانتخابات هو الطريق لإسقاط العملية السياسية والرجوع الى الانقلابات العسكرية.. 
7. مواقف صريحة للسيد عمار الحكيم وللسيد مقتدى الصدر اللذين دائما يؤكدان على مطابقة رأيهما لرأي المرجعية الدينية في النجف. 

8.  مواقف دولية واضحة مثل الموقف الأمريكي والموقف الإيراني فهما متفقان على ضرورة إجراء الانتخابات في وقتها..

الثاني..وهو التوجه الذي يدعو ويعمل على تأجيل الانتخابات وهو ينقسم الى قسمين.. 
قسم يصرح بذلك علانية ويمثله أغلب الشخصيات السنية التي انتخبتها المحافظات التي تعرضت الى الدمار والتخريب والتهجير بسبب احتلالها البغيض من داعش الشر وحجته في ذلك أن هذه المحافظات غير قادرة على إجراء الانتخابات فيها كونها لازالت خالية من غالبية سكانها بسبب النزوح وهي لما تتعافى مما أصابها من ويلات الحرب.. 
ويعاضد هذا القسم موقف الأمم المتحدة بممثلها في العراق كوبيتش الذي يعتقد ان عدم عودة النازحين وعدم اعمار هذه المناطق سيضع عائقا كبيرا في إجراء انتخابات حقيقية ونزيهة.. 
أما القسم الثاني فهو الذي يعمل على تأجيلها من خلف الكواليس ولكل أهدافه في ذلك والحديث عن هؤلاء هو محض أقاويل وتحليلات قد تصدق وقد تكون بعيدة عن الصواب لكننا نطرحها هنا للتاريخ ولكي نطلع على تأكيدات وتطمينات بعدم صحتها.. وخاصة ان هذه الأخبار التي يتم تداولها بين الطبقة السياسية ونحن منها فيها من الواقعية الشيء الكثير وهي ايضا تتحدث عن مواقف تناقض موقفها الاعلامي او الرسمي.. 
1. يتحدث البعض عن أن السيد العبادي يميل الى تأجيل الانتخابات بعد الضغط السني والأمم المتحدة والبريطانيون وخاصة ان الأسباب لذلك منطقية فمن غير المعقول إجراء الانتخابات بشفافية في ظروف قاهرة يعيشها أهل المدن المتضررة ويعيشها قسم منهم في مخيمات ومعسكرات بعيدا عن بيوتهم وحياتهم الطبيعية ولما تبدأ حملات الإعمار لإعادة الاستقرار لهذه المناطق.. 
بيد أن سببا اخر قد يضاف الى ذلك.. سبب يتعلق بملف الفساد الذي يصرح عنه السيد العبادي كثيرا هذه الأيام ولطالما تحدث عنه سابقا فهو يؤكد أن ماجرى في انهيار الموصل والمحافظات التي تلتها لن يمر من دون مساءلة وأن معركته بعد الانتصار على داعش ستكون مع رموز الفساد الأكبر.. ومما لاشك فيه فإن اهم مافي هذه المعركة هو عدم مشاركتهم في الانتخابات القادمة وان الانتهاء من هذه المعركة يستلزم بالضرورة مدة أطول من المدة التي تبقت لإجراء الحملة الانتخابية التي لاتتعدى ال5 أشهر.. 
2. يتحدث البعض أيضا عن أن الأمريكان والبريطانيين أيضا يعملون على تأجيل الانتخابات والسبب هنا مختلف فهم يعتقدون ان حظوظ قوى الحشد الشعبي ستكون كبيرة في الانتخابات المقبلة بعد الانتصار الذي أسهموا في جزء كبير منه على داعش وأن تأجيلها لمدة سنة أو اكثر سيتيح العمل على تفتيت قوى الحشد من خلال اصدار قرارات حكومية بحل الحشد كقوة مستقلة وتوزيعه على مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية وأيضا من خلال اصدار قرارات دولية او امريكية باعتبار بعض القوى المنضوية فيه قوى تمثل الارهاب ويجب ان تعاقب وتطارد دوليا ووطنيا وهو مابدا واضحا في قرار الكونغرس الأمريكي بوضع حركة النجباء في قائمة الإرهاب.. 
ولعل البريطانيون يميلون الى دورة ثانية لرئيس الوزراء الحالي وهو مايقوي شكيمته ويبعد خطر تحالفه مع قوى الحشد وخاصة ذات الموقف المتشدد من الأمريكان والبريطانيين.. 
3. هناك تصور اخر يعتقد أن المالكي الذي كان أول من طرح موضوع التأجيل باعتباره مؤامرة لإسقاط النظام السياسي أنه اليوم يقبل بتأجيل الانتخابات والسبب يكمن في أن اجراء الانتخابات خلال المدة المتبقية يعني صعود السيد العبادي بقوة صاروخية لن تنفع معها تحالفات المالكي بعد أن استطاع العبادي تحقيق انتصارين مهمين هما الانتصار على داعش وتحرير كل الأراضي العراقية والثاني انتصاره في ملف الاستفتاء بعد تعامله بحكمة وعقلانية أنقذ البلاد من براثن فتنة عظيمة لاتبقي ولاتذز.. فالتأجيل هو اللعب على عامل الوقت للتخفيف من قوة الزخم المتصاعد واتاحة الفرصة لتحالفات تضمن فوز المالكي بعد أن صرح الى أنه يميل الى النزول في الانتخابات المقبلة بقائمة هو يرأسها.. 
وكما بينا فإن هذا التوجه محتمل الصواب والخطأ ستبينه الأيام القادمة.. 

أما التوجه الثالث والأخير.. 
فهي القوى التي لم تحسم أمرها أو أنها تنتظر أي الكفتين وأسبابها متعددة تنحصر في أن التأجيل من عدمه لا يمثل لها مكسبا أو خسارة.. وأغلب هذا التوجه تمثله القوى الكردية بكافة الوانها وأجناسها سواء القريبة من الحكومة كقوى الاتحاد الكوردستاني بكل أجنحته الجديدة والقديمة.. أو قوى حزب التغيير كوران بقيادته الكهلة أو قيادييه الشباب والمتحمسين لتحقيق التغيير سواء في كوردستان أو في الوطن كله.. 
وسواء القوى المناهضة للحكومة في بغداد والتي يمثلها بوضوح الحزب الديمقراطي الكوردستاني وبالخصوص جناح السيد مسعود البرزاني.. 
قد يضاف الى ذلك قوى الحشد التي لم نسمع منها موقفا واضحا وان كانت تميل الى اجرائها في وقتها المحدد لأنها قوى صاعدة لها القدرة على تحقيق فوز انتخابي سهل نسبيا.. 

هذه هي التوجهات الثلاثة الموجودة في الساحة السياسية العراقية اليوم بخصوص الانتخابات فأي التوجهين سيكون هو المنتصر التأجيل أم الإجراء في الموعد المحدد وأيهما سيكون.. 

إن تأجيل الانتخابات هو خرق دستوري مهما اراد بعض الساسة من تخريجه وإيجاد اسبابه وهو لعبة خطيرة قد تضع البلاد في أعتاب مرحلة جديدة أو نظام جديد وهو أيضا قد يكون خطوة عظيمة في القضاء على معادلة 2003 وتحرير البلاد من أتون الفساد والمحاصصة والطائفية ولكن من يضمن ذلك.. 
كما إن إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها هو عمل دستوري ويبعد البلاد عن خطر المجهول ويتيح للقوى المدنية والوطنية أن تربح جمهورا جديدا بسبب فشل الاسلاميين في إدارة دفة الحكم وهو مايقدم فرصة ذهبية قد لا تتوفر في حالة التأجيل ولكن من يضمن اجراء انتخابات شفافة نزيهة والأحزاب الحاكمة مازالت ماثلة في كل مؤسسات الدولة بسبب المحاصصة وبالخصوص مفوضية الانتخابات فضلا عن الامكانات المادية واللوجستية والخبرات التي اكتسبتها طيلة المدة الماضية في تسقيط الخصوم وجذب الناس بأساليبهم المعروفة.. 

ان العراق غدا على مفترق طرق تحدد مساراته عوامل متعددة من أهمها موقف المرجعية في النجف من احزاب السلطة ورموزها.. وتكاتف القوى المدنية والوطنية جميعها.. وخروج العبادي من المعادلة الحزبية الى معادلة الدولة.. فإذا تحققت هذه العوامل الثلاثة فإن العراق سيشق طريقه الى السلام والرفاهية والتقدم...