الكورد في سوريا.. أمريكياً وروسياً

إدريس سالم

يمكن تلخيص الإستراتيجية الأمريكية والروسية في سوريا، في أن وجود الأولى في شرقي نهر الفرات والثانية غربها، تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني ومنعها من التغلغل وإقامة ممرّها البرّي، الذي يربط بين إيران ولبنان أولاً، وثانياً منع عودة ظهور تنظيمات إسلامية متطرّفة، والوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية تنهي بترميم النظام السوري ثالثاً، ورابعاً لحماية إسرائيل من أيّ نسمة أو غيمة ضارّة.

 

إن أهم ما حقّقه الكورد في سوريا، هو التميّز بالإيديولوجية العلمانية العسكرية، وهي ما كانت تميّزهم من بين جميع القوى السياسية والعسكرية المتقاتلة فيما بينها، التي كانت تتبنَّى إيديولوجية دينية، وعدم ثقة واشنطن بفصائل الجيش الحرّ التي تمتلك في معظمها توجّهات إسلامية، واستخدام الكورد كورقة ضغط على تركيا؛ لامتلاكهم أداتي "التحميس والتحشيد" في خلق قاعدته الجماهيرية، لمواجهة الأزمات الداخلية والخارجية دون أن يغيّروا شيئاً منها، خاصّة وأنهم خسروا كثيراً من القوّة الشبابية والنسائية والعقلية والفكرية، التي كانت قادرة على وضع حدّ لسياسة "التمجيد والتقديس"، واستفزاز الدول الإقليمية الفاعلة بالشعارات والبيانات والصور.

 

المثير للجدل هو أن حزب الاتحاد الديمقراطي يرى تعاونه مع الروس والأمريكان تحالفاً طويل المدى، ولكن الواقع يؤكّد بأنه شراكة مؤقّتة، مبنية على تمرير الدولتين لمصالحهما من خلال قوّته العسكرية، المتمثّلة بقوّات سوريا الديمقراطية، ولفهم هذا التعاون يجب مراجعة سياساتهما معه، قبل وبعد الأزمة السورية، وسيلاحَظ القارئ أو الباحث – بعد القراءة والاستقصاء – أن علاقة الدولتين مع الاتحاد الديمقراطي علاقة معقّدة، وتخضع لمصالح الطرفين، كما أن حداثة التحالف الأمريكي مع الحزب، وارتباطه بقتال تنظيم داعش، ومراعاة أمريكا لمصالح حليفتها تركيا، تجعل هذا التحالف معقّداً أكثر، ومعرّضاً للانهيار، خاصّة مع تعنّت الحزب في تغيير سياساته وتبعيته، أما لمَن ستكون الكفّة الراجحة في المستقبل – للتحالف الكوردي الروسي، أم الكوردي الأمريكي – فالأيام القادمة ستثبت ذلك.

 

علاقة روسيا بحزب الاتحاد الديمقراطي قديمة، تعود إلى بدايات تشكيل الفرع الأساسي، فيما علاقة أمريكا معه حديثة، إذ بدأت فعلياً بعد هجوم داعش على كوباني عام 2014م. روسيا لا تعتبر فرعه الأساسي الذي تشكّل بأوامره منظمة إرهابية، فيما أمريكا أدرجته على قائمة المنظمات الإرهابية عام 1999م. روسيا تقدّم الدعم السياسي للاتحاد الديمقراطي من خلال السماح له بفتح مقرّات ومراكز في مدنها، وإشراكه في المؤتمرات كجنيف وآستانة وسوتشي، في حين أمريكا لا تقدّم له أيّ دعم سياسي. روسيا نقلت قوّاتها العسكرية قبل أيام من الاجتياح التركي لمدينة عفرين، فيما الغموض والشكّ لا زالا يخيّمان على الوجود الأمريكي في شرقي الفرات، وما إن كانت ستتخلّى عنها أم لا، إلا أن الأحداث والاتفاقات السرّية تشير إلى تقسيم غربي كوردستان إلى ثلاثة مناطق؛ منطقتان محاصرتان والثالثة غير محاصرة.

 

إلا أن الشعب الكوردي في غربي كوردستان أدرك حقيقة لعبة واشنطن وموسكو في سوريا مؤخّراً، تحت ذريعة محاربة الإرهاب والوقوف إلى جانب الشعوب المظلومة، والتي ظهرت ملامحها العامّة، وباتت أكثر وضوحاً، وهي أن خيرات وثروات سوريا هي التي ستتقاسم بين الدول الكبرى التي تدير الشرق الأوسط بخلق الفوضى فيها، وليس تقسيم جغرافيتها، أيّ، أمريكا وروسيا لن تغامرا بمصالحهما الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية المهمّة جداً، والبعيدة المدى مع إيران وتركيا وسوريا والعراق كُرمى لخاطر قيام حكم ذاتي أو فيدرالية للكورد، إلا في حال توافق المشاريع الكوردية مع مصالحهما، إذاً لا لتقسيم الجغرافية، ونعم لتقاسم الكعكة الاقتصادية والتجارية، الممزوجة بآبار النفط والغاز، والمشاريع الضخمة لإعادة إعمارها، بشركاتهم وموظفيهم، وعمّالنا وطاقاتنا الجسدية.

 

تتعامل روسيا مع غربي كوردستان على أنها رقعة جغرافية لا تتجزّأ من جغرافية سوريا السيادية، أيّ، أنها تعتبر الإدارة الذاتية حليفة النظام السوري، فيما أمريكا تعتبر قوّات سوريا الديمقراطية التي يديرها حزب الاتحاد الديمقراطي بأنها شريكتها لا حليفتها في محاربة الإرهاب، وستنتهي هذه الشراكة لمجرّد أن ينتهي الإرهاب، المتمثل اليوم بداعش، إلا إذا طرأ أمر جديد، على التجاذبات الإقليمية والتحالفات الدولية.

 

أوروبا التي تدعم غربي كوردستان إنسانياً، من خلال تأمين العيش والأمان والعلم لأبنائها، في دولها التي لا زالت تستقبل أعداداً هائلة من اللاجئين، فهي تريد فتي بلدانها من الدم والمصل السوري، فيما تركيا تدعم فصائل سياسية وعسكرية محدّدة، والهدف منها رفض منح أيّ حقّ أو اعتراف دولي للكورد في غربي كوردستان، سواء على يد المجلس الوطني الكوردي الذي بات قاب قوسين لعدم امتلاكه أيّ مشروع، أو الإدارة الذاتية، بحكم ذاتي أو فيدرالي.

 

كلّ تحرّكات الدول الكبرى، من لقاءات في أعلى المستويات وعلى البعد الاستراتيجي، وعمل موظفيها في المنطقة كموظفين درجة ثانية، وتغلغلهم في المراكز الفاعلة في المنطقة وجبهاتها، إلى مؤتمرات علنية وسرّية، وتغيير في ميزان القوى على الأرض والمرافقة لها بتصريحات نارية، لكبار المسؤولين تشير إلى حقيقة واضحة ولا ثانية لها، أن القضية الكوردية في غربي كوردستان لم يفتح ملفّها بشكل رسمي وخاصّ، في أيّ طاولة دولية أو إقليمية من طاولات صنع القرار، التي تديرها أمريكا وروسيا، واللتان أثبتا للسوريين أن الأسد للقيادة، وكلّ مَن يعارضه للقمامة، على اختلاف تناولها من حيث اعتبار الكورد جزءاً من الشعب السوري.

 

فما السبب الذي يقف وراء عدم تدويل القضية الكوردية في غربي كوردستان في الأروقة الدولية، من مؤتمر جنيف في سويسرا، إلى آستانة في كازاخستان، والرياض في السعودية، وصولاً إلى سوتشي في روسيا؟ لعلّه سؤال جوهري كبير، إلا أن الإجابة عليه، والعمل على حلّه بشكل جماعي موحّد، سيخرج بنتائج إيجابية، ستساعد الكورد في تثبيت حقوقهم في الدستور السوري، وتدويلها، والاعتراف بها وفقاً للعهود والمواثيق الدولية، فالقوة الجماعية الموحّدة وحدها مَن ستساهم في إجبار المجتمع الدولي للالتزام بالمواثيق التي تؤكّد حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وبالعودة إلى الإجابة على السؤال المطروح، فأرى أنها تندرج في أربعة أسباب رئيسية:

 

أولاً: الانقسام الكوردي – الكوردي:

إن التنظيمات الكوردية التي كانت تناضل قبل الثورة السورية، وحتى التي تلتها أثبتت أنها تنظيمات "افتراقية وليست وحدوية"، لأن في كلّ عملية وحدوية بين عدّة تنظيمات كوردية تلد منها ثلاثة أو أربعة أو خمسة أحزاب، بعضها ذو وجود واقعي، والآخر افتراضي، أيّ تعدّدت الأقلام والحبر واحد، لما حملوا في ثقافاتها قيم وأدوات الافتراق أكثر من التمسّك بالاجتماع، وهذا الافتراق هو أكبر وأخطر عدوّ يواجهه الشعب الكوردي، فيما الدول المعادية لكوردستان تعمل جاهدة على تغذية هذا الانقسام، بالعدّة والعتاد.

 

ثانياً: تغييب المشروع الكوردي:

حقيقة لا يوجد حتى الآن رؤية واضحة المعالم للمشروع الكوردي في سوريا، سواء من المجلس الوطني الكوردي أو من حزب الاتحاد الديمقراطي، لغموض وتعقيد الوضع السوري عامّة، وارتباط الوضع الكوردي بدول إقليمية تسعى جاهدةً لتحجيم مكاسب الكورد، إلا أنه ستكون لهم خصوصية محدودة، واحتمالات نجاح هذه الخصوصية، تعتمد بالدرجة الأولى على مصالح ومواقف الدول الكبرى.

 

ثالثاً: مصالح الدول الكبرى أهم من توحيد أو تقسيم الشرق الأوسط:

إن مصالح الدول الكبرى في مستنقعات الشرق الأوسط أهم من كوردستان، وأقوى من إرادة شعوب المنطقة، لأن كلّ حكومات العرب والغرب تحارب من أجل المال والسلطة، وليس لتحقيق إرادة شعوبها وحلّ قضاياها، فعندما تدعم أيّ دولة كبيرة لأيّ فصيل كوردي، سياسياً كان أم عسكرياً، فحتماً الهدف الأول والأخير منه هو تحقيق مصالحها وتقوية اقتصادها، فالمصالح لا تعرف للشعوب إرادة، إذا ما تعارضت معها، والمصيبة الكبيرة هي أن علاقة الكورد معهم أثبتت أنها علاقة تكتيكية وليست إستراتيجية، أيّ أن الكورد فشلوا في إقناع الدول الكبرى على أن يكونوا حلفاء دائمين لهم، فهل سيستفيدون من أخطائهم المتراكمة وتجاربهم العاطفية؟

 

رابعاً: قمع الدول الإقليمية المحتلة لكوردستان:

إيران منشغلة بجنوب كوردستان وهلالها الشيعي وتخريب الحضارة العراقية، وتركيا بغربها، أيّ، هما متفقتان على قمع كلّ مشروع تحرّري استحقاقي خاصّ بالكورد، من حكم ذاتي، أو فيدرالية، أو كونفدرالية، أو الدولة القومية المستقلة، وستعملان دائماً – دون كلل أو ملل – على صهر الوجود الكوردي، أيّ، يؤكّدان على الدور المحوري الاستراتيجي السابق واللاحق بينهما، في أيّ ترتيبات تخصّ الأمن القومي للبلدين.

 

خلاصة القول، إن الفرصة الثمينة والأخيرة تكمن في أن ترتفع صرخات الشعب الكوردي عالياً، وبشكل فعلي منظّم ومدروس ومستمرّ، ضدّ الحركة السياسية الكوردية، والمتمثّلة اليوم بحركة المجتمع الديمقراطي والمجلس الوطني الكوردي؛ بتنظيم المظاهرات والاعتصامات، داخلياً، أمام مقرّاتهما الرسمية ومنظّماتهما المنتشرة في المناطق والمدن الكوردية، وخارجياً، أمام ممثلياتهما المتواجدة في الدول الأوروبية، ويبادروا إلى التواصل والتنسيق المستمرّين، بإجبارها على توحيد الموقف والمشروع الكوردي قبل فوات الأوان، إذ ليس من المعقول أن يقدّما مصير الشعب الكوردي قرباناً على مذابح أجنداتهما الحزبوية والخارجية، والخطورة القادمة بدأت مفعولها، والتي تتركز أولاً على إعادة ترميم النظام السوري، وثانياً رفض قيام أيّ كيان كوردي في غربي كوردستان، إضافة إلى التغيير الديموغرافي جغرافياً وسياسياً، في ظلّ الأوضاع غير مستقرّة، والفوضى الخلّاقة في عموم الشرق الأوسط.