مفاتيح التنمية والبناء

فراس زوين

  
يعد العراق في مقدمة بلدان العالم من حيث فرص النهوض الاقتصادي والعمراني لامتلاكه العديد من المفاتيح التي تمكنه من فتح الأبواب المغلقة للعملية التنموية وتذليل العقبات امام احداث التنمية المستدامة ، واحب في هذه الورقة ان اسلط الأضواء على ثلاثة من هذه المفاتيح التي ان تواجدت في أي بلد فأنها ستقوده نحو النهضة التنموية والعمرانية .
المفتاح الاول هو امتلاك العراق قاعدة غنية ومتنوعة من الموارد الطبيعية والبشرية وضعته ضمن اغنى دول العالم من حيث غزارة الموارد وتوافرها، حيث سبق وان اعلن المعهد الامريكي للطاقة في تقريره الدوري الصادر في العام ٢٠١٤  ان العراق يحتل المرتبة التاسعة عالميا بحجم الثروات الطبيعية الموجودة فيه، واشار التقرير إن "حجم الاحتياطي النفطي بحسب المسوحات الجيولوجية والزلزالية يبلغ نحو 350 مليار برميل، وان العراق يضم ايضا ثروات معدنية كالفوسفات والفضة والزئبق والفسفور بالإضافة الى الغاز الطبيعي، مبيناً ان المسح لم يشمل القطاع النفطي فقط بل كل الثروات الطبيعية كالذهب والبلاتين وغيرها ، ووفقا لدراسة أخرى أعدها موقع "إنسايدر مانكي" الامريكي في العام ٢٠١٧، فأن العراق جاء في المرتبة الخامسة عالمياً باحتياط النفط المؤكد والذي بلغ 142.50 مليار برميل، متقدما بذلك على الكويت والإمارات، فيما اعلنت وزارة النفط في مناسبات عديدة ان العراق يسعى الى الوصول بالاحتياطي النفطي الى 170 مليار خلال الفترات القريبة القادمة، في الوقت الذي بلغ احتياطي العراق من الغاز 135 مليار قدم مكعب، وعند التكلم عن دورالموارد الطبيعية في التنمية الاقتصادية يكون من المناسب الإشارة الى النرويج، والتي تعد مشابه للحالة العراقية من ناحية امتلاكها للموارد الطبيعية، حيث اكتشف النفط في النرويج في أواخر عام 1969، وبدأ التحوّل الاقتصادي في النرويج من دولة تعتمد على الزراعة وصيد الأسماك، لتصبح الدولة الرائدة عالمياً في مجال التنقيب عن النفط والغاز، وخوفاً من ضعف اقتصادها المحلي بسبب ظهور بوادر التوجه نحو الريع واهمال باقي القطاعات، عمدت النرويج الى تأسيس صندوق النفط السيادي عام 1990 لدعم الاقتصاد على المدى الطويل، والمحافظة على مستويات النموّ، وتحصين الاقتصاد في المستقبل عندما تشّح الإيرادات النفطية ، وفي عام 1996 جرى أوّل تحويل مالي إلى الصندوق، ثمّ في عام 2006 تمّ تغيير اسمه ليصبح الصندوق التقاعدي الحكومي النرويجي، ولتفادي آثار تقلبات النفط على اقتصاد البلاد فقد ركز الصندوق استثماراته على خارج البلاد من خلال تسعة آلاف شركة تعمل في قطاعات مختلفة في 75 دولة ، وبعد مرور عقدين من الزمن قدر حجم الصندوق في نهاية عام ٢٠١٧ ، بنحو 910 مليارات دولار، ولفهم مدى أهمية الموارد الطبيعية من الناحية الاقتصادية فما على القارء الكريم سوى تقسيم هذا الخزين على 5.2 مليون نسمة وهم تعداد النرويج ليتبين نصيب كل مواطن من هذه الثروة، وقد يبين هذا المثال مدى أهمية الثروات الطبيعي بالنسبة لبلد ذا تجربة ناشئة مثل العراق، ويمكن اعتبار الثروة الطبيعية هي اول مفاتيح التنمية الاقتصادية والبناء يحملها بيده اليمين للقيام بالعملية التنموية والعمرانية .   
ويحمل العراق بيده اليسرى المفتاح الثاني، وهو توفر الايدي العاملة وارتفاع نسبة الشباب بين فئات المجتمع، فقد بين الجهاز المركزي للإحصاء في تقرير نشر في الأول من تشرين الأول من عام ٢٠١٨ إن عدد سكان العراق بلغ 38 مليون و124 الف و182 نسمة حسب الاسقاطات السكانية لعام 2018 مبينا ان نسبة الذكور منهم بلغ 19 مليون و261 الف و253 نسمة بنسبة 51%، فيما بلغت نسبة الاناث منهم 18 مليون و862 الف و929 نسمة وبنسبة 49% من مجموع السكان ، ويعد العراق من اكثر دول المنطقة شباباً بالرغم من الحروب المتتالية التي خاضتها البلاد خلال العقود الأخيرة وسقوط مئات الالاف من الشهداء، الا ان الواقع السكاني للعراق يشير الى هيمنة الفئات العمرية الشبابية على باقي الفئات العمرية، وقد كشفت وزارة التخطيط ان نسبة السكان المسنين في العراق بلغت ٣٪‏ وفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء لعام ٢٠١٨، وذلك يعني ان العراق من المجتمعات الفتية أي ان فئات الشباب ما بين ١٦-٦٣ هي اكثر فئات المجتمع، حيث بلغ حجم القوى العاملة في العراق قرابة ٧ مليون مواطن، ويشكل هذا الرقم قوى هائلة لا يستهان بها، وكانت وزارة التخطيط قد اكدت في مناسب عديدة ان عدد سكان العراق يزداد سنويا بمعدل يقارب ٨٥٠ ألف شخص سنوياً، فيما توقعت ان تصل نسبة السكان الى 50 مليون شخص خلال عام 2030، وقد يكون من المناسب ذكر ان هناك نماذج تنموية للعديد من الدول التي استطاعت استغلال كثافة الايدي العاملة وتراجع مستوى الاجور بسبب هذه الكثافة العددية مثل الصين والهند ودول جنوب شرق اسيا والتي جعلت من زيادة العرض للعمالة منطلق رئيسياً للنهوض، وقد لا تكون الحالة العراقية بمعزل عن هذه الأمثلة، فان الكثافة الشبابية في المجتمع العراقي يمكن ان تشكل احد اهم عوامل التنمية الاقتصادية والبشرية، اذا ما تم استغلالها وتوجيهها نحو البناء والاعمار، للتأسيس لاقتصاد متين ينتشل العراق من واقعه المتراجع مستغلة توفر باقي عناصر النهوض والتنمية المستدامة .   
اما المفتاح الثالث من مفاتيح التنمية والاعمار التي يمتلكها العراق فهو الحاجة الملحة للبناء والخدمات وتحولها الى ضرورة حتمية اذا اريد لهذا النظام الاستمرار والبقاء، نتيجة تراجعها الرهيب خلال الفترات السابقة، حيث يمكن للمحافظات العراقية ان تتحول خلال فترة بسيطة الى ورشة عمل عملاقة فكل شبر في هذا البلد بحاجة الى البناء او الى إعادة الاعمار ، ويعتبر البناء والاعمار رغبة جماهيرية عارمة يجب ان تلبى بعد سلسلة الإخفاقات التي أعقبت عام ٢٠٠٣ وتواتر الوعود الحكومية الفارغة، في وقت لايزال الواقع الحياتي لمعظم المحافظات العراقية يشير الى تراجع مستمر في مستوى البناء والخدمات، وقد تكون فرص انتشال البلاد من هذا الواقع تتضاءل يوم بعد يوم، ويجب التوجه إصلاحها بسرعة وجدية، والا كانت النتائج على مستوى كيان الدولة ووجودها وخيمة، وان تراجع الواقع الخدمي والعمراني للبلاد في العقود الأخيرة نتيجة الدكتاتورية والحروب وسنوات الحصار الاقتصادي مع التخبط في إدارة الملف السياسي والاقتصادي بعد عام ٢٠٠٣ وتفشي الفساد المالي والإداري، انتج حالة من التخلف والتراجع الحاد في كل قطاعات الدولة وجعل العراق في امس الحاجة الى إعادة بناء هذه القطاعات ، والتي قد لا يكفي لبنائها الجهد الداخلي والمحلي، وانما قد يتعدى ذلك الى الحاجة الماسة الى جلب الاستثمار الخارجي، وجذب اهتمام الشركات متعددة الجنسية، وتجدر الإشارة هنا الى النموذج التركي في احداث التنية الاقتصادية والبناء، والذي اعتمد بشكل كبير على جلب الاستثمارات الخارجية مستغلاً توفر الايدي العاملة والرغبة الملحة وضرورة البناء والاعمار ، لكن ضل التمويل وتوافر الأموال اللازمة للبناء والنمو هي العقبة الكبرى في النموذج التركي، ولجأت تركيا لسد هذا النقص الى الاستثمار الخارجي من خلال تقديم التسهيلات اللازمة لجذب الشركات العالمية الكبيرة والرصينة للاستثمار في الداخل التركي وبما يحقق المنفعة المتبادلة بين الشركات و والمجتمع التركي . اما في الحالة العراقية فبالامكان تصور حجم العمل الذي يمكن ان يتحقق في العراق عن طريق جلب الاستثمارات الأجنبية من خلال وصف السيناتور الامريكي جون ماكين الى (ان العراق هو قارورة العسل التي تجذب اليها الكثير من الذباب) ويقصد بالذباب هنا الاستثمار الأجنبي .           
ان المفاتيح الثلاثة السابقة يمكن اعتبارها من اهم عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي تقود أي مجتمع نحو البناء والاعمار وتؤسس لقاعدة اقتصادية متينة تأخذه حتماً نحو التنمية المستدامة، وقد تكون الحالة العراقية هي شذوذ هذه القاعدة اذ ان لكل قاعدة شواذ، فالواقع العراقي يعكس ضياع الموارد الطبيعية المتعددة وايراداتها الهائلة التي قد تكفي لبناء عشرة بلدان، وارتفاع نسب البطالة بين الشباب بالرغم من حاجة البلاد الملحة للعمل، وتردي الخدمات وانهيار البنى التحتية رغم ضياع المليارات بذريعة بنائها، وارتفاع نسبة الدين العام وتفشي البيروقراطية الإدارية في مؤسسات الدولة والعديد من المشاكل والمعوقات التي أدت الى ضياع الفرص المتاحة وذوبانها في دوامات متعددة لعل أولها الفساد وليس اخرها سوء الإدارات السياسة والاقتصاد السابقة المتعددة والتي مسكت زمام الأمور في العقود الأربعة الأخيرة .