"إعلان الإستفتاء ومعركة الأربع والعشرين ساعة"

ديار حاجي


خلال شهادته التي أدلى بها في إحدى الأفلام الوثائقية التي كانت تتناول تاريخ وتفاصيل الغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثانية في العام 1991 قال أحد الجنرالات الأمريكيين البارزين في تلك الحرب بأن الهجوم البري الشامل والذي تمت تسميته آنذاك "عاصفة الصحراء" والذي شنته القوات الأمريكية وبمساندة قوات التحالف الدولي والعربي المكون من 34 دولة على الجيش العراقي الذي كان متواجداً بأكمله في الكويت لو استمر فقط أربعة وعشرين ساعة اخرى كان سينجم عنه النهاية الحتمية للنظام العراقي البعثي عسكرياً وإدارياً وسقوطه في ذلك الوقت بالتزامن مع وتيرة القصف الجوي المستمر وقتها على كافة مفاصل الدولة العراقية والتي شلت القدرة العسكرية والتقنية لدى الجيش والحكومة العراقية بأكملها ,إلا أنه لم يخفي استغرابه وبأن قطعات الجيش الامريكي وقوات التحالف البرية والبحرية والجوية تلقت تعليمات صارمة بإيقاف الهجوم كلياً وعدم مهاجمة الثغرة التي تمكن من خلالها الجيش العراقي بالانسحاب وتهريب ماتبقى له من جنود وعتاد والمعدات العسكرية الثقيلة التي قدرها وزير الخارجية العراقي آنذاك "طارق عزيز"بأكثر من مليون طن.

تلك الأربعة والعشرين ساعة والتي إن استمر العمل العسكري بها كانت كافية لتغيير مصير المنطقة أو تغيير الوجهة السوداء التي دخلها العراق على أقل تقدير وكان سيترتب عليها نتائج كثيرة بعكس ما قد حصل بعدها والجدير بالذكر منها بالنسبة للشعب الكوردي فهو الذي دفع الضريبة الأكبر بعد تلك الحرب التي انتهت باتفاق شبيه بالإستسلام ومهاجمة جيش النظام العراقي بعدها على المناطق والمدن الكوردية الآمنة في شمال العراق والتي ترتبت عليها مأسأة إنسانية كبيرة تمثلت بالهجرة المليونية القاسية وتشرد الملايين من أبناء الشعب الكوردي في كوردستان العراق إلى المناطق الجبلية الوعرة والحدودية مع تركيا الأمر الذي تسبب بأزمة إنسانية بالغة دفعت بعد ذلك بالأمم المتحدة بإنشاء المنطقة الآمنة على الحدود.

أربعة وعشرين ساعة فقط زادت من عمر النظام البعثي الدموي لأكثر من اثنا عشر عام وأفرزت من بعد زواله تنظيمات فكرية وجهادية متعاقبة خلقت واقعاً غير مستقر على الإطلاق وأدخلت العراق في دوامة من العبثية والفوضى والتي كان آخرها تنظيم الدولة "داعش" الذي كان له التأثير الأكبر على الخريطة السياسية والعسكرية في العراق وسوريا خلال الأعوام الماضية وهدم الحدود التي رسمتها اتفاقيات دولية عمرها أكثر من مئة عام حيث كان القضاء على الحلم الكوردي في السيادة والوجود من أبرز أهداف هذا التنظيم ومموليه ومن قام بإنشائه إلا أن هذا الأمر لم يتحقق وانكسر واضمحل وزال أمام عظمة الانتصارات والتضحيات التي قدمتها قوات البيشمركة في إقليم كوردستان العراق خلال المعارك العنفية والشرسة التي خاضتها ضد هذا الفكر والمشروع الموجه ضد الإنسانية جمعاء حيث كان الأمتحان الأكثر صعوبة وقساوة لطموحات الشعب الكوردي والذي تكلل بالنصر العظيم ,وها هو الشعب الكوردي ينتظر كي يتوج هذا النصر بالخلاص ويخوض في وجه تلك الأربعة والعشرين ساعة التي لم تنتهي تأثيراتها بعد آخر وأعظم معركة وهي معركة الإستفتاء على إستقلال إقليم كوردستان العراق معركة الوجود التي سيكون أسلحتها الحوار والفكر والمنطق والطرح الجريء للقضية الكوردية أمام الرأي العام العالمي المدعوم بالبراهين الدامغة.

وربما أن هذا الأمر بالنسبة للشعب الكوردي ممتلئ بشيء كبير من العواطف والأمنيات والرغبة بالتحرر أكثر من أي شيء آخر إلا أنه في الحقيقة اختبار داخلي لكافة الأصعدة على امتداد أراضي كوردستان أكثر من أنه مجرد استحقاق تاريخي ,واختبار على القدرة والتحمل والصبر والإيمان بالقضية وكشف حقائق عدة وحقيقة الكثير من الأمور الأشياء والأشخاص والتنظيمات الداخلية والخارجية وسيكون له ما بعده وما قبله.

بات من الواضح جداً اليوم أن المشهد السياسي والعسكري الجديد في العراق المتشكل بعد تحرير مدينة الموصل والتي كان قد اتخذها تنظيم داعش عاصمة له ,له التأثر المباشر والارتباط الوثيق بقرار إعلان الإستفتاء الذي سيقام في 25-9-2017 لكن ومع الأسف فأن العديد من النخب السياسية العراقية تتجاهل في تلقي الرسالة الواضحة من هذا الإعلان بعد فهو ليس إعلان حرب وليست مواجهة مع أي عدو بل هو لغة الحوار التي سيشرع الشعب الكوردي بالبدء بها حول حقه في الوجود ونافذة كبيرة سوف يفتحها للعالم بأسره لتسليط الضوء أكثر من أي وقت مضى حول هذه البقعة الجغرافية التي لاقى أهلها الأمرين خلال القرن الماضي وإن رسالة الشعب الكوردي من هذا الاستفتاء للعالم بأسره ليست مجرد مشاعر وليست مجرد تصريحات ورغبات وأمنيات إنما بات واقعاً فرضته الظروف المكانية والزمانية والحقائق التاريخية الموضوعية وهو قرار تاريخي من قائد تاريخي لن يتكرر ولحظة من لحظات الخلود في تاريخ الشعب الكوردي ,الاستفتاء هي الساعة الأخيرة من الأربعة والعشرين ساعة التي طال عمرها إلى أكثر من ستة وعشرين عام من العذاب والويلات بحق شعب لا يريد سوى العيش بكرامة وحرية على أرضه.