القاصر المتزوج بأذن المحكمة بين الحماية القانونية والمسؤولية المدنية

القاضي ناصر  عمران

دأب المشرعون باختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية على ايجاد معايير مهمة إزاء صياغة التشريعات القانونية لتكون اساساً في تحديد المسؤولية المدنية والجزائية، ويعتبر معيار السن القانوني من المعايير المهمة الذي على اساسه ابتنت النصوص القانونية احكامها وهو مرحلة عمرية حسابية لم تأت من فراغ وانما ضمن اسس معتمدة مرتبطة بالبيئة والنظام الاجتماعي ولذلك اختلف المشرعون في تحديد السن العمري للمسؤولية وبالتالي الاهلية اللازمة للقيام بالتصرفات القانونية.

فالمشرع العراقي نص على تحديد سن الرشد وهو السن القانوني في المادة (106) من القانون المدني رقم (40) لسنة 1950 المعدل (سن الرشد هي ثماني عشر سنة كاملة ) والمادة (93) منه اعتبرت كل شخص اهلا للتعاقد مالم يقرر القانون عدم اهليته او يحد منها والصغير المأذون في التصرفات الداخلة تحت الاذن بمنزلة البالغ سن الرشد حسب المادة (99) واحكام الاذن حسب المادة (98) مدني اشترطت : ان يكون من قبل الولي وبترخيص من المحكمة ويسلم مال مقدر على سبيل التجربة في العمل التجاري باذن مطلق او مقيد على ان يكون الصغير المميز قد اكمل الخامسة عشرة من العمر. كما أن للمحكمة إصدار الإذن عند امتناع الولي عن الاذن المادة (101/1 ) مدني.

ان ما تم ذكره هي صور للحماية القانونية الخاصة بتأهيل الصغير المميز الذي اكمل الخامسة عشر واصبح على ابواب مرحلة سن الرشد وهذا التأهيل هو المرحلة الأخيرة للقاصر الذي سبقتها مراحل متعددة تبتدئ من سن التمييز سبع سنوات كاملة (97 /2) واعتبار تصرفات الصغير غير مميز باطلة المادة (96 ) وحتى مرحلة الصغير المميز ما قبل بلوغ سن الرشد، ان هذه المرحلة العمرية محكومة بأطر الحماية القانونية لتصرفات القاصر التي تنصب على تحقيق المصلحة المطلقة له ووقايته من الضرر عبر خلق وضع قانوني ساند وداعم لمصلحة الصغير كل ذلك ضمن أهلية معينة، فالأهلية : هي صلاحية الشخص ليكون له حقوق وعليه التزامات، وهي تنقسم إلى أهلية وجوب وأهلية أداء، ويعرف الفقهاء أهلية الوجوب ( أنها صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه ) أما أهلية الأداء فهي (صلاحية الشخص لاستعمال الحقوق التي يتمتع بها) وبهذا فهي تختلف عن أهلية الوجوب، لأن أهلية الوجوب هي لثبوت الحقوق له وعليه، أما أهلية الأداء فهي صلاحيته لاستعمال الحقوق التي يتمتع بها.و المسؤولية تقترن بتصرفات البالغ سن الرشد وهو المبدأ العام بمعنى -كما ذكرنا- صلاحيته في اجراء التصرفات جميعها سواء اكانت نافعة ام ضارة او دائرة بين النفع والضرر، الا ان قانون رعاية القاصرين رقم (78 ) لسنة 1980 قد جاء في المادة (3/ أولاً/ أ) في الشق الثاني منه بحالة جديدة وهي كما جاء بالنص (… ويعتبر من أكمل الخامسة عشرة وتزوج بإذن من المحكمة كامل الأهلية..) وعليه فان من اكمل خمسة عشر عاما وتزوج باذن المحكمة يصبح كامل الاهلية استثناءً من معيار السن القانوني سن الرشد المحدد بإكمال الثامنة عشرة من العمر ويكون بمواجهة المسؤولية المدنية وخارجا عن الحماية القانونية للقاصر ولا تنطبق عليه احكام قانون رعاية القاصرين وان منحته جواز الاهلية الكاملة التي يتمتع بها اقرانه البالغين سن الرشد طبقا للقانون المدني، بيد ان ما ذكرناه لم يجد في التطبيق القضائي طريقا واضحاً فقد اختطت محاكم التمييز رؤية جديدة متماهية بين الحصول على الحماية القانونية الكاملة لتصرفات من أكمل الخامسة عشر وتزوج بأذن المحكمة والمسؤولية المدنية التي تم اختصارها بالقضايا الخاصة بالأحوال الشخصية مثاله ما جاء بالقرار التمييزي لمحكمة استئناف بغداد/الرصافة بصفتها التمييزية والمرقم 1609 /هـ.أ./ 2000 في 6/9/2000 الذي قضى فيه (…. أن المميز (آ) في الخامسة عشر من عمره يعتبر بالغاً فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، أما فيما يتعلق بالقضايا المالية والتجارية فإنه يعتبر ما زال قاصراً …).

ونرى أن هذه الرؤية وهي محل تقدير لم تكن تطبيقا لرؤية المشرع الواضحة ومخالفة لنصوص القوانين النافذة وهي اجتهاد في مورد النص الذي كان صريحاً وواضحاً فقانون رعاية القاصرين الصادر عام 1980 هو قانون خاص للقانون المدني العام و الصادر عام 1950 وطبقا للقاعدة القانونية (الخاص يقيد العام) تكون الاهلية الكاملة للقاصر الذي اكمل الخامسة عشر وتزوج بأذن المحكمة في التصرفات جميعا بما فيها التصرفات الدائرة بين النفع والضرر والتصرفات الضارة هذا من جانب ومن جانب اخر ان ما ذهبت اليه رؤية القرار التمييزي يتعارض مع مرحلة التأهيل الخاصة بالتصرفات المحكومة بأذن المحكمة بمقدار معين من المال وبترخيص من الولي وبدونه احيانا في الاعمال التجارية اضافة الى ان اعتباره بالغا في ما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية لا يقيه فهناك تصرفات ضارة ضررا محضا متعلقة الجوانب المالية المرتبطة بالأحوال الشخصية مثالها مقدار المخالعة في الطلاق الخلعي والتنازل عن الاثاث الزوجية والهبات بين الزوجين وذلك لا يستقيم مع رؤية القرار التمييزي التي حافظت على مظلة الحماية القانونية على حساب المسؤولية المدنية.

ان مناقشة نص المادة ورؤيتنا اليها وملاحظاتنا عليها باعتبارها انتهاكا للحماية القانونية للقاصر المتزوج الذي اكمل سن الخامسة عشرة شيء والتطبيق القانوني للنص شيء اخر، ونرى ان المشرع في صياغة هذه المادة كان متأثراً بالاتفاقية الدولية الخاصة بالتوصية بالرضا والسن الدنيا وتسجيل عقد الزواج عام 1965 والتي تضمنت هذه التوصية ثلاثة مبادئ أهمها ما أورده المبدأ الثاني الذي حدد سن الخامسة عشرة سنا دنيا للزواج ولم يتطرق إلى جنس المتزوج.

إن رؤية الأهلية الكاملة في التصرفات القانونية المطلقة للقاصر الذي تزوج بأذن المحكمة هي اقرب للتطبيق القانوني ونرى إما أن يكون هناك تدخل تشريعي لإعادة الحماية القانونية للقاصر المتزوج او ان تكون هناك رؤية جديدة تطبيقية قضائية تعتبره بمواجهة المسؤولية المدنية.