الديمقراطية وسلطة المال عبر التأريخ

قصي الصافي

الجمهورية الرومانية 

مقدمة:

بهدف الترابط العضوي للموضوع سأعمد إلى إعادة المقدمة في كل حلقة.

 

 يعمل النظام السلطوي على مبدأ القوة الطاردة المركزية التي تلقي بعامة الشعب على هامش الفعل السياسي والإجتماعي والثقافي،بينما تبقي على حفنة من السياسيين في مركز صناعة القرار لتحتكر عملية البناء والتخطيط والإدارة، مما ينتج عن اعتلالات بنيوية خطيرة، تتمثل في هشاشة المؤسسات وتوتر الصراع بين الطبقات والفئات الإجتماعية والكيانات الثقافية،وقطيعة أو شبه قطيعة بين الأمة والدولة. بالمقارنة تعمل الديمقراطية بصيغتها المثالية على مبدأ الاحتواء لا الإقصاء، فهي تخلق فضاءات  واسعة لمشاركة وتفاعل الجميع للوصول إلى حلول وسطية، من شأنها خلق حالة توازن بين مصالح الطبقات والمكونات الإجتماعية والثقافية، وبهذا تنتج مجتمعاً متماسكاً، وتفتح قنوات تواصل فعالة بين الأمة والدولة.

من نافل القول أن الأنظمة الديمقراطية هي الأمثل في إدارة الحكم وبناء المجتمعات، إلا أن فجوةً واسعة تجدر دراستها بين صيغتها المثالية والواقع الحقيقي للتجارب الديمقراطية، منذ مهدها الأول في أثينا إلى الديمقراطية المعاصرة التي تخفي ملامح شيخوختها خلف ماكنتها الإعلامية العملاقة، فبينما تعد الديمقراطية بتساوي الفرص للجميع ، يظهر جلياً أن البعض أكثر تساوياً من الأخرين حسب تعبير جورج أرويل الساخر.

إذا كان ماركس قد اشاد بالديمقراطية على اعتبارها مشروعاً حضارياً رائداً، فإنه لم يتوقف عن نقد الطبقة الحاكمة في تسخير آلياتها لشرعنة استغلالها وتغليب مصالحها على حساب عامة الشعب.

 

الجمهورية الرومانية:

في كتابه " السياسة " يحدثنا أرسطو عن ثلاثة أنواع من أنظمة الحكم ، النظام الديمقراطي وهو الأفضل برأيه لولا صعوبة تحقيقه ، والأوليغاركي وهو النظام الأسوأ والذي تحتكر فيه الحكم حفنة من الأغنياء وتوظفه لمنافعها وأطماعها، والنظام الأرستقراطي وهو برأيه جيد وممكن التحقيق، وتدير فيه الحكم نخبة من ذوي المعرفة والخبرة، و يخبرنا في موضع آخر أن المعرفة والخبرة تندر حيازتها من قبل الفقراء، فلا قدرة لهم على دفع تكاليف التعليم، كما أن الخبرة تصقلها التجارب في إدارة الأرض وأعمال التجارة ومايتخللها من علاقات وتخطيط.. بهذا المنظور يبدو أن أرسطو لم يترك لنا مجالاً للتمييز بين النظام الأوليغاركي الذي يصفه بالأسوأ، ونظيره الأرستقراطي الذي يسمه بالجيد ،ففي النظامين يحتكر الأغنياء إدارة الحكم.

إرتباط المعرفة بملكية الفرد وبالتالي بأهليته للمشاركة الديمقراطية سيبقى ملازماً لكل النظم الديمقراطية حتى منتصف القرن التاسع عشر .( ففي أميركا كان التصويت يقتصر على من يملك مالايقل عن 20 هكتار من الأرض أو مايعادلها، وقد ألغي شرط الملكية عام ١٨٥٠ م  ليستعاض عنها بضريبة تسجيل عالية ، والتي الغيت هي الأخرى عام ١٩٦٤م ).

 

يبدو أن مدينة روما قد اختارت النموذج الأرسطوطاليسي - أي النظام الأرستقراطي - في بناء جمهوريتها في القرن الخامس ق.م . ورغم تعقيد البناء المؤسساتي للجمهورية الرومانية ، إلا أنها بقيت نموذجاً لبناء الديمقراطية التمثيلية ، ونواةً تطورت على اساسها الديمقراطيات الغربية.



كان من اهم أسباب نشوء الديمقراطية في أثينا - كما ورد في الحلقة السابقة- هو إتساع الجيش والبحرية وإنضمام أبناء الفقراء اليهما ، مما اكسب العامة نفوذاً كقوة ضاغطة، وسيكون لهذا العامل تأثير مضاعف في تشكيل النظام الجمهوري في روما. النهج العسكري لروما وكثرة حروبها الدفاعية والهجومية لم تمنح الطبقات الشعبية نفوذاً لدورهم العسكري فيها فحسب ، بل لدورهم في دعم الجيش ، بأموال الضرائب والمواد الغذائية من المزارعين والأسلحة والبضائع من الحرفيين والصناع والتجار. 

بدأت قصة الجمهورية بالإطاحة بآخر الملوك بثورة شنها الارستقراط بمساندة العامة عام 509 ق.م ، وبوعدٍ من الارستقراط بمشاركة الطبقات الشعبية في الحكم ، فلم يبروا بوعدهم ولم ينل العامة سوى مشاركة صورية بعد نجاح الثورة، مما جعل الصراع بين الفقراء والأغنياء يتخذ أشكالاً عنيفة من الثورات والعصيانات إبان القرون الثلاثة الأولى من عمر الجمهورية، وقد أسهم ذلك الصراع في تطور الديمقراطية تدريجياً.

يقود الجمهورية فعلياً  قنصلان يمتلك كل منهما حق الفيتو ضد الآخر، ويقود القنصلان مجلس الشيوخ المؤلف من 300 عضواً ، ويشترط أن يكون العضو من عائلة أرستقراطية، ويمتلك أرضاً لا تقل قيمتها عن 100 ألف ديناري ، ويستمر في المجلس مدى الحياة. يتخذ مجلس الشيوخ قراراته وخططه فيما يخص الحياة المدنية والعسكرية والدينية ، ثم يدعو القنصلان المجلس المئوي ( وهو من الارستقراط أيضاً ) للإجتماع، لتصديق أو رفض مقررات مجلس الشيوخ دون مناقشتها، ويخدم المجلس المئوي لسنة واحدة فقط.

 

في الفترة الأولى من الجمهورية، ساءت أحوال العامة أكثر مما كانت عليه في ظل الحكم الملكي،  فالقنصلان ومجالس الأرستقراط انفردوا  في تشريع قوانين مجحفة، تعتصر الفقراء لزيادة أرباح الأغنياء،،وقد استولوا  على الأراضي المشاعية، والتي كان الفقراء يستزرعونها مؤقتاً ، ويرعون فيها مواشيهم لسد الرمق،كما أنهم سرحوا أعداداً كبيرة من الفلاحين العاملين في اقطاعاتهم، مستبدلين اياهم بما غنموا من أسرى كقوة عمل مجانية.

 

أجج الظلم الواقع على العامة صراعاً برزت خلاله قيادات ناشطة، قادت سلسلة من الثورات والعصيانات ساهمت تدريجياً  في تطور الديمقراطية وتوسيع مشاركة العامة، وقد كان من أهمها الإضراب العام سنة 287 ق.م حين غادر الفلاحون المزارع والحرفيون والصناع أعمالهم والجنود مواقعهم، وتجمعوا في منطقة نائية عن المدينة،حتى تنازل الارستقراط بمنح العامة ألحق في ترشيح ممثلين إثنين لمجلس الشيوخ، لا يحق لهما حضور المجلس، ولكنهما يمتلكان حق الفيتو ضد أي تشريع يرونه مضراً بمصالح الفقراء، وقد أجبر العامة مجلس الشيوخ أيضاً على  نصب مسلة القوانين الإثني عشر في الشوارع ، وقد كانت قبل ذلك تعلن شفوياً مما يسمح بتسويفها والتلاعب بها.

ممثلا العامة قد تحولا بفعل المال والسلطة إلى جزء من الاوليغارك الأرستقراطي، مما دعا العامة إلى مواصلة كفاحها ضد هيمنة الارستقراط، حتى تكلل نجاحها بإنتخاب مجلس العموم الذي لا يضم سوى العامة ، والذي إكتسب تدريجياً  مشروعيته مرغماً مجلس الشيوخ على إعتماد تشريعاته ومقترحاته . 

تظهر تجربة الجمهورية الرومانية مرة أخرى أن التطور التراكمي للديمقراطية، ومدى مشاركة الطبقات الشعبية فيه، انما يتحدد بطبيعة الصراع بين الطبقات والقوى الإجتماعية والمجموعات الثقافية، وهو حصيلة للتوازن في نفوذها ودورها في المجتمع.