استغل خطأ أخيك

منتظر الخفاجي

 

إن أخطأ معك أخوك بإساءةٍ أو ظلمٍ فقد أعطاك فرصة للرد عليه، والعاقل من لم يضيع سوانح الفرص، بل يستغلها بأفضل استغلال وأكبر نفع ممكن أن يستجلبه منها، وما يعطيه المُسيء للمُساء إليه أو الظالم للمظلوم من فرصة للرد عليه، فإن التعامل مع هذه الفرصة لا يخرج من ثلاث وجوه رئيسية:
الأول: أن يرد عليه بفعل هو من سنخ فعله، أي أن يرد عليه إساءته وظلمه بفعل يسبب له الالم والأذى ، سواء بنفس الدرجة التي سببها هو أو أعلى منها، ويذيقه وبال فعله، ويرح نفسه من ألم الظلم ويشفي غليله، عندئذ يكون قد استغل هذه الفرصة وردها بنفس درجة الفعل الذي ولّدها، وهذا ما يفعله أكثرنا حينما يُظلم أو أو يمس بقول أو فعل، وهو حق مشروع إن كان بنفس درجة الأذى، لكن هذا الوجه من الرد وإن كان مشروعاً إنما فيه عيب واحد وهو أنه يخلو من الفائدة الكبرى أو الحقيقية لك، لأن نتاجه لا يتجاوز التشفي واللذة النفسية الزائلة، فيكون فيه ضياع لهذه الفرصة.

الثاني: هو عدم صدور فعل خارجي تجاه هذا الامر أو هذه الفرصة، لوجود الموانع عن ذلك، والتي منها ما يكون بسب عدم تحصيل فرصة الرد على الظالم أو المسيء، ومنها ما يكون بسبب خوف المظلوم من ردة فعل الظالم، فيكون الرد حينئذ داخلي وهو أن يكبتها المظلوم في صدره ويحقنها في نفسه، فلا تكون إلا ألم مستعر، وتمني للانتقام مستمر، فيصوغ المظلوم هذه الفرصة ويجعلها حقداً وبغضاً ويغرزها في صدره، ولا يعلم لماذا أو إلى متى، وعيب هذا الوجه أوضح من أن يخفى، وبه يكون صاحبه قد أضاع هذه الفرصة.

الثالث: هو أن يعفو ويسامح ويصفح عن هذا المسيء صفحاً جميلاً أي دون بقاء أثر في صدره، حينئذ يكون قد ارتقى برده من مرتبة أهل الأرض إلى مرتبة أهل السماء، يكون قد استغل خطأ أخيه بأفضل وجوه الاستغلال والتي لا تجعل مجال للندم الدنيوي أو الأخروي مجال للسريان إلى صدره، يكون قد قابل هذه الإساءة بالفعل الأعلى والرد الأسمى الذي اصطفاه وعيّنه وارتضاه مُفعّل الأفعال ومكون الأقوال جل جلاله، فعلٌ هو ارتضاه لنفسه وحببه لخلقه بعد أن أوجد فيهم القابلية للاتصاف بصفته وتنزيل فعليته.
وهذا الفعل يكمن في مرتبة لا تتأتى على واقعها للفرد إلا بعد معرفة هذا الخٌلق –أعني العفو- معرفة ذوقية تجريبية، والوقوف على فوائده التي تأنف عن الاستبدال بغيرها ، ثم الوقوف على المظالم والمشاكل التي تأبى حلاً غير العفو، حيث عدم الوقوف على معرفة هذا الخُلق معرفة تجريبية تجعل الفرد يُنزله في غير منزلته، فلا يطبقه في الموارد التي تحتاج إليه.
وقد بين لنا منبع الصفات ومعدن الأخلاق جل جلاله أهمية هذا الخلق في تسيير حياتنا الدنيا بل والأخرى حيث يقول رسوله الأكرم: ( ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟ العفو عمن ظلمك......) فجعله من خير أخلاق الآخرة وهي منزلة قلما نزلها خُلق من مكارم الأخلاق.
وقد اعتبره سبحانه من الإحسان الموجب لأعلى موارد الإكرام وهي محبته، إذ قال: { وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ومحبة الرب لعبده هي أعلى من الثواب وأرقى من الدرجات وأسمى من الجنان بل أزكى من الرضوان، ثم يقول جل ثناءه أخرى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} ونفهم من قوله:( فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) وجهين:
الوجه الأول: أنه وعدٌ بالعفو عن أخطاءكم وتقصيركم مع قدرته على العقوبة، إن أنتم عفوتم عن عباده وصفحتم مع قدرتكم على العقوبة.
الوجه الثاني: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) أي أن العفو من أخلاقي فإن أنتم عفوتم عن عبادي فقد تخلقتم بأخلاقي واقتربتم من حضرة عليائي. وإن أفضل وأسرع طرق التقرب لمن تريد هو أن تتخلق بأخلاقه وتقترب من صفاته وتتردى بألوان أثوابه، فإنه أقصر مسالك التقرب وأوسع مجاري التزلف.
ومن جهة دنيا، أن العفو والصفح هو عدم خسران أخيك، وإبقاءٌ على فرصة إصلاحه وتصحيح أخطاءه، فهو أسلوبٌ لبناء الغير وليس لبناء الذات فحسب، وإطفاء لنيران التخالف والتنافر التي تُبعد الفرد عن غايته وتلصقه بما هو لا محالة مفارقه.
لكن ليس من اليسير على كل إنسان تفعيل هذه الصفة في نفسه وجني ثمارها، وإن كانت القابلية موجودة لكن الموانع موفورة والتي تحتاج إزالتها إلى شيء معتدٍ به من الجدية والإصرار، وهذه الصعوبة تعود إلى عدم رغبة نفوسنا الأمارة بالسوء بالتخلق بهذا الخُلق، لأجل أن تُبعدنا عن الحق سبحانه بالإبعاد عن أخلاقه ، فليست صعوبة العفو والصفح عمن أساء إلينا تعود لثقل العفو نفسه وإنما بسبب ترغيب نفوسنا لنا بالانتقام وتحريك مخيلتنا بصور وأشكال الانتقام والعقوبة، لذلك كان عدم القدرة على العفو الصفح متولداً عن نقص في الأخلاق وتمكناً للأنانية وحب الذات، وكلما كان الفرد أطهر قلباً كان العفو وأمثاله اقرب إلى رأيه من الحقد والقطيعة والانتقام.
وله المنة أن اختار لنا معالي الأخلاق.