جلسة تأبين غير مهيأة

جاسم  الحلفي

زارني يوم 25 شباط 2019، الباحث الشاب وضاح فاضل العنبكي، الذي اختار "الاطروحات الفكرية السياسية عند فالح عبد الجبار"، عنوانا لمادة بحثه لرسالة الماجستير في العلوم السياسية -قسم الفكر السياسي في جامعة بغداد. سررت لحسن الاختيار والاستعداد من باحث عراقي شاب لخوض غمار التركة الفكرية المهمة التي خلفها لنا المفكر وعالم الاجتماع فالح عبد الجبار، وهو المفكر العميق صاحب المنتج المعرفي والرصيد المفاهيمي المتميز.

دار الحديث حول محطات كفاح الراحل، حله وترحاله منذ ان غادر العراق رافضا الدكتاتورية والاستبداد ومقاتلا لاسقاطها. وانضم الينا بعد ساعة من بدء اللقاء الدكتور نصير غدير. وتناولنا مواقف المفكر الراحل من الاحتجاجات التي انطلقت في تموز عام 2015 واشتراك التيار الصدري فيها، والدور السياسي والاجتماعي والفكري لهذه الاحتجاجات. وقد افرد الراحل لذلك كتابا عنوانه (حركة الاحتجاج والمساءلة. نهاية الامتثال بداية المساءلة). شخصيا كنت في جو الكتاب، منذ تصميم الاستبانة، والاشراف مع الصديق احمد عبد الحسين على توزيعها على العينة التي حددها المفكر الراحل ثم جمعها، حيث اصبحت محور تحليل كتاب تناول بالارقام حركة الاحتجاج واهدافها والدور الذي نهضت به في محاصرة الطائفية السياسية.

حيث استعرضه لنا في احدى زياراتنا الى معهد دراسات عراقية في بيروت، الذي كان يديره. استعرض لنا الإطار العام، ولم تفته ادق التفاصيل مارا بالجزئيات.

ان انتماء الراحل الى اليسار لم يمنعه من نقد الماركسية. فالمكافح ضد الاستبداد يتبنى التغيير وليس التبرير. والفكر عنده منتج انساني غير مقدس، خاصع لشروط النقد واشتراطاته. الانسان ورفاهه هدف سامي لمن تشغله موضوعة العدالة والمساواة والكرامة الانسانية، لذا فهو حدد مكانه في المعركة المستمرة بين المضطهَدين والمضطهِدين، الظالمين والمظلومين، ووجد في اعادة توزيع الثروة بابا لتحقيق العدالة الاجتماعية.

تحدثنا بحسرة عن تخطيطه لزيارته المفترضة الى بغداد، التي لم تتم بسبب رحيله المفاجئ. وللزيارة حكاية. فقد طلب مني تحديد موعد له مع سماحة السيد مقتدى الصدر، الذي ما ان اخبرته برغبة فالح في لقائه حتى استجاب سماحته قائلا: "دكتور فالح مُرحّب دوما به، في اي وقت يشاء".

استعرضت المحطات التي جمعتني مع الراحل في بيروت ودمشق وبشتاشان وشقلاوة، واربيل وفي بغداد بعد انهيار الصنم. وهكذا ساقنا الحديث الى استعراض مؤلفاته وكتاباته واهمية جمعها. ففالح لم ينقطع يوماً عن الكتابة والبحث والترجمة، وقد ترك ثروة معرفية وفكرية كبيرة، تعد "وليمة معرفية لكل دارس للعراق أو المنطقة" كما لخصها الدكتور سامي زبيدة في مقدمة كتاب (العِمامة والأفندي).

فالح من القلة الذين لا يشكل مجال البحث العلمي مكان كفاحهم الوحيد دفاعا عن كرامة الانسان، بل تجده مجندا في فصائل المقاومة الفلسطينة بجانب كونه كاتبا في قضاياها، ومقاتلا في فصائل أنصارنا الشيوعيين بوجه النظام الدكتاتوري البغيض، وليس فقط فاضحا أساليبه، ومعريا طبيعته. فهو مفكر يحاول استيعاب ازمات العراق والخيبات التي مرت على الشعب، بحيث لا تشكل له عوامل احباط، بل يتصدى لها محاولا فك اشتباكاتها، بعد ان يبحث جذورها، ويصنع منها مفاتيح امل.

ونحن في خضم الحديث عنه تذكرنا ان يوم 26 شباط هو يوم ذكرى رحيله، فيا لها من صدفة، ان نتذكره قبل يوم من ذكرى رحيله. وهكذا كانت الأمسية، جلسة تأبين غير مخطط لها.