الفساد في العراق داء ليس له دواء

حيدر عبدالحسين الشيخ

 
حقيقة مؤلمة عندما يكون العراق في ذيل قائمه الدول الاكثر فسادا في العالم و ان يصنف مع دول كافغانستان و الصومال و ليبيا و اليمن من حيث تغلغل وأنتشار الفساد في كافة مفاصل الدولة بعد ان كان منارة للعلم والحضارة والتاريخ.
فشلت جميع الحكومات التي تولت الحكم في العراق بعد غزو عام 2003  في ادارة مشكلة العراق الرئيسية [الفساد]،بل كانت نفسها متورطة بقضايا فساد كبرى تصل الى مليارات الدولارات حيث تم ضياع ما يقارب الف مليار دولار في فتره حكومة المالكي وحدها التي امتدت من 2006 الى 2014 والتي سقطت فيها بعض المدن العراقية على ايدي الجماعات الارهابية المتطرفة (داعش).
لو وضفت حقا هذه الاموال بصورة نزيهة لكان العراق في مصاف الدول المتطوره من حيث البنى التحتيه و المؤسسات الخدميه، لكن مصلحة العراق كانت ولا تزال في نظر هؤلاء اللصوص لاتعني لهم شيئا بقدر ما تعني لهم مصالحهم الشخصية.
عمق وانتشار الفساد سبب على المدى القريب و البعيد مشاكل كبيرة للعراق و العراقيين  تمثلت هذه المشاكل بتعطيل عمليه التنميه في العراق  وخلقت جوا طاردا للاستثمار الاجنبي الذي يعد من الضرورات المهمة لبناء اي بلد ودفع عجلة التمنية فيه، المستثمرين الاجانب في العراق واجهوا ضغوطات كبير على اعمالهم مما ادى الى خروجهم من العراق رغم ان العراق يعد ثاني اكبر منتج في منظمة الدول المصدره للنفط (اوبك).
في عام 2007 بلغ العراق اعلى درجه في الفساد حسب تقرير منظمه الشفافيه الدوليه المهتمة بنشر الفساد في الدول اذ سجل العراق رقما عالميا  بالفساد حيث حل في المرتبة الـ [178 ]من اصل [180 ]دولة. اما في السنوات الممتدة من 2012 الى 2017 بقي العراق في ذيل قائمة الدول الاكثر فسادا حيث يمكنكم مراجعه تلك الارقام على الموقع الرسمي للمنظمة [Transparency.org].
مع شديد الاسف هذا هو حال العراق اليوم، اذ تتحكم شلة من اللصوص و السراق بمستقبل 40 مليون انسان متسلطة على رقاب الناس بالرشوة وبيع المناصب الحساسه وافقروا الشعب لدرجة ان غالبيه العراقيين اليوم لا يحصلون على الماء الصالح للشرب وكانت المظاهرات التي حصلت في الشهرين الاخيرين في مدينه البصره المنهوبه و المسلوب نفطها خير دليل على عمق و تفشي ظاهره الفساد في العراق.
هيئه النزاهه العراقيه المرتبطة بالبرلمان تعترف رسميا بضياع 320 مليار دولار  خلال الاعوام الـ 15  الماضية،اذ تسلمت خلال الاشهر الاولى من من سنه 2018 مايقارب(9832) ملف حسم منها فقط 4443 ملف حسب زعمهم، رغم اتهام الكثير من العراقيين لهذه الهيئة بإنها غير نزيهة وتتلقى رشاوي من بعض السياسيين لاغلاق بعض الملفات الموجهة ضدهم.
 وتتهم منظمات حقوقيه مثل هيومن رايتس ووتش السياسيين في الحكومة العراقية بممارسه ضغوطات كبيره بينها التهديد على و بعض وسائل الاعلام المؤثره التي تهتم بقضايا الفساد، حيث شاهدنا عمليات الاغتيال التي حصلت للصحفيين الذين تابعوا بعض قضايا الفساد التي كانت تديرها لوبيات تابعة للاحزاب المتنفذة في السلطة وانتهوا ولم يسأل عن حال هؤلاء المساكين احد.
الفساد في العراق ولد من رحم الاحزاب الاسلامية التي تدعي التدين والالتزام و التي هيمنت على مفاصل الدوله وسعت منذ البدايه الى بلورة الفساد وتقنينه بما يتماشى مع رغبات و منافع الاحزاب الشخصية بصروة تظهر وكإن الفساد اصبح شيء  روتيني قابل للتغاضي عنه من قبل الشعب العراقي الذي انهكته الحروب الطائفيه وحروبه ضد الارهاب  وما جلبت هذه الحروب  معها من دمار وانعدام الخدمات الاساسيه الى جانب وقف التنميه.
مثلت الاحزاب الاسلامية المتحكة في العراق كـ[حزب الدعوه، الفضيله ،المجلس الاعلى، القوى العراقيه السنيه و بعض الاحزاب الكردية السرطان الذي انتشر في الدولة ولم يعد يزول، اذ تتحكم هذه الاحزاب في كافه مفاصل الدوله العراقية الحساسة لدرجة اصبح رؤساء هذه الاحزاب من اثرى اثرياء العالم على حساب معاناة الشعب العراقي الذي يعاني من الفقر والحرمان على مدار سنين.
اما الحكومة الجديدة التي شكلها عادل عبد المهدي قطعت الامل في مكافحة الفساد بصورة حقيقيه و حازمة لإنها شُكلت بنفس الطريقه التي تشكلت بها الحكومات السابقه أي على الطراز الحزبي والطائفي القديم  وهذا واضح من خلال التشكيلة الوزارية الجديدة التي قدمها عبد المهدي للمصادقة عليها في البرلمان.
كان الامل الوحيد في مكافحه الفساد بجدية واقعية هو ماطرحه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر من خلال رؤيته بتشكيل حكومة تكنوقراط غير مقيده بمحاصصة حزبية او مذهبية او قومية بل مستقلة وذات اختصاص مناسب لكل موقع حكومي و جاده في معالجه الاخطاء التي ارتكبتها الحكومات السابقه و كان من الممكن العمل بحكومة التكنوقراط و ان تكون بدايه حقيقية للعراق في مكافحه الفساد و تقديم الخدمات الضروريه وتطوير التنميه البشريه  لكن الحكومة تشكلت كالعاده وفق مزاج الاحزاب المعروفة!! ضاربة جميع النصائح و التوجيهات التي صدرت من المرجعية عرض الحائط و لم يبقى امام العراقيين الا ان ينتظروا اليوم الذي سيخلصهم من جور وظلم فساد الاحزاب.