رئاسة اقليم كوردستان ومستقبل نيجيرفان بارزاني/ القسم الرابع والاخير

علي حسين فيلي

علي حسين فيلي/ في نهاية عمر الحكومة الحالية لإقليم كوردستان التي ترأسها نيجيرفان بارزاني، كانت نظرة الشارع وكذا نظرة الخبراء، لتقييم برنامج عمله، تجلب الاهتمام.
فهو عند بعض الناس عضو في حزب صاحب سلطة ولكن كانت له سياسة مستقلة في طريقة الحكم وكما يقول خصومه لم تكن اي من الحوارات التي اجراها مع الاخرين لتضييع الوقت؛ بل كان يجري الحوارات من اجل ايجاد الحلول. وهناك اناس يميلون الى الرأيين، اي الخدمة ومكتسباتها واخفاقات الحكومة. يقولون انه كان باستطاعته ان يكون سببا لتغييرات اكبر واهم ولكنه الى هذا الحد مما قام به من العمل استحق التقييم والاشادة؛ لان العراق في عام 2006 فصاعدا وقع في دوامة الحرب الطائفية واصبحت بغداد والكثير من المناطق الاخرى ميدانا كبيرا لتلك الحرب التي نتج عنها الاف الضحايا من دون طائل وخسرت بغداد عشرات المليارات، الا ان حكومة اقليم كوردستان برئاسة نيجيرفان بارزاني توجهت نحو آفاق مختلفة. وكانت المسألة المهمة ان سير تحول حكومة الاقليم من مرحلة التنظير الى مرحلة العمل كان بحاجة الى شخصية مثله ليقوم عبر امكانياته بإزاحة العراقيل، ويقطع شكوك المتشككين برؤية واضحة لكيفية تقديم الخدمات للمواطنين في الاقليم كله.. وبعد ترسيخ الوضع الامني والسلم السياسي والاجتماعي والتعايش الديني بدأ بثورة البناء والاعمار. وباتباع سياسة التسهيل والثقة وحتى المغامرة الشجاعة ليصبح صاحب العهد الذهبي لازدهار اقتصاد كوردستان الذي استمر الى البداية الواضحة لمؤامرة ايقاف عجلة ذلك الازدهار وتخريب الوضع السياسي والاقتصادي والامني لإقليم كوردستان. وعلى عكس الذين يقولون بانه نجح في السياسة ولكنه تعثر في الاقتصاد بسبب احداث 2014، اثبتت الدلائل ان اقليم كوردستان اصبح منذ عام 2006 لنهايات عام 2013 اقوى مركز نشط للتجارة والاستثمار في المنطقة وبصورة عامة جرت نسبة 55% من العمليات التجارية والاستثمارية العراقية في كوردستان. لغاية عام 2013 توجهت 15 الف شركة محلية واجنبية الى كوردستان من بينها عدد من كبيرات الشركات العالمية وخاصة في مجال الطاقة.
ان سياسة ورؤية نيجيرفان بارزاني حول العراق الفيدرالي كانت واضحة وصادقة امام الجميع، كان قد قال بوضوح: نتمنى ان يكون كل العراق مثل الاقليم، وان الذي نريده لاربيل نريده لعاصمتنا (بغداد) ولكن نحن لسنا عربا، نحن كورد، لنا ثقافتنا ولغتنا وتاريخنا الذي يختلف عن الامة العربية، نحن الامة الكوردية، جراحنا اعمق كثيرا مما يتوقع وان تلتئم فقط بالشعارات والحديث عن الديموقراطية واشياء اخرى. نحن اخترنا بإرادتنا ان نكون في اطار العراق الموحد. وعدنا بإرادتنا الى بغداد على اساس العمل بذلك الدستور الذي صوت له اكثر من 80% من الشعب العراقي، نحن مشاركون في بناء العراق، قدمنا كل ما باستطاعتنا لحماية وحدة العراق، ولكن سياسة بغداد ليست سياسة التفاهم المشترك، بل هي سياسة السيطرة والهيمنة، الازمة تكمن في بناء الثقة فيما بيننا ولكن بغداد لا تتعامل معنا كشريك، فبدلا من ان نكون مشاركين في بناء هذه البلاد؛ اصبح قانون الموازنة قانونا لمعاقبة اقليم كوردستان! كركوك عندنا رمز للإخوة والتعايش وهوية للعراق الجديد ورمز للخروج من مشكلات الماضي من اجل ايجاد العدالة في العراق، وبسبب عدم تطبيق المادة 140 بقي معلقا، هذا مختصر لمضمون المشكلات. اقول بصراحة: ان علاج هذه المشكلة تتم فقط عن طريق الحوار، مع اظهار المرونة، نحن مستعدون ان تكون لنا هذه المرونة، ولكن لن يستقر المجتمع العراقي الا من خلال شراكة حقيقية بين جميع مكوناته وليس هنالك اي امل في بناء دولة مدنية ما دامت بغداد تساند فكرة عسكرة الشارع العراقي.
اذا حللنا فترة حكم نيجيرفان بارزاني في اطار المهمات وما هو منتظر يجب ان تكون الذرائع بما يتناسب واستحقاق امكاناته وان الامكانيات المتوفرة لم توقف عجلة حكومته من دون اللغط واللهو السياسي، ولكنه قضى على صوت الرصاص واستطاع الى حد ما جلب الانظار الداخلية والخارجية نحو هذا الاقليم، عندما كان البعض يزور كوردستان ويرى الامن والتطور كان يقول: هذا لا يشبه العراق! انتم تستحقون الاستقلال لأنكم تملكون اقليما عامرا ولكم حكومة ناجحة.
من الطبيعي انه بجانب مهامه وتكاليفه الرسمية كرئيس للحكومة كان عليه ان يتجاوب مع التكليف غير الرسمي اي المطالب الشعبية. في البرنامج الحكومي لما قبل 2014، كانت كوردستان تقدمت بشكل لامثيل له ولكن توزيع التعهدات والآمال من دون توقع الازمات غير المرغوبة لما بعد عام 2013 الذي لجميع دول الدنيا امكان ظهورها واستمرارها، كانت تلك الغلطة الاستراتيجية التي لم تستطع حكومة اقليم كوردستان بإمكانياتها الذاتية لوحدها الخروج منها سريعا والتغلب على الضائقة المالية، فشرائح الفقراء والمتعففين الحاليين يعتقدون بان بارزاني عرفهم على حق الحياة الرغيدة ولكنه لم يستطع المحافظة على تلك الحياة كما يجب. وفي الوقت ذاته فان الاغلبية وفوق عتابها وانتقادها الذي هو من طبيعة الحكم يقولون بشان برنامجه: صحيح بان اضطراد المعادلات السياسية والامنية في المنطقة والعراق والخارجة عن امكانات وارادة الاقليم، اوقف برامجه ومشارعه وتسبب بصعوبة حياته، الا ان اكبر مكاسب حكومته هو الانفتاح على العالم والعلاقات الدولية والاقليمية التي اخرجت كوردستان من النفق المظلم وقللت من التهديدات. فهو سياسي فتح الابواب المغلقة على قضية شعبه وافشل العديد من المؤامرات من دون اطلاق رصاصة واحدة عن طريق الدبلوماسية والمصالح المشتركة التي قوت من مكانة إقليم كوردستان في المنطقة والعالم.
عدا عن اية ذريعة او انتقاد، فان مكتسباته لا تمر من دون كلام والسؤال ليس ماذا فعل لان كوردستان اليوم ليست كوردستان ما قبل نيجيرفان بارزاني، فعندما كان يتكلم عن الاستقلال الاقتصادي كان الاعتقاد بمشروعه اصعب واكبر من البدء بالمشروع اصلا. العراق في مرحلة استخراج وتسويق لحين تامين النفط انتظر عشرات السنين ولكن بارزاني في جذبه للشركات النفطية العالمية الى كوردستان لم يضيع من الوقت ما يكفي لتشكيل كابينة حكومية في العراق الاتحادي. فشخصيته المناسبة من منظار الحكم كانت ثمرتها الثقة والحب ووفاء الناس وان اخفاقات ونقوص حكومته في بعض القطاعات تعود معظمها الى الغدر الاقليمي. فهو وان لم يتمكن من القضاء على مشكلة الرواتب بشكل كامل وان يعيد قطاع الصناعة والتجارة والاقتصاد الى عهدها الذهبي ولكنه منح الجرأة والشجاعة للناس في الازقة والشوارع ليقولوا ماذا يريدون من حكومته او ان يتجمع في الشوارع وان يكيلوا الانتقادات لإداء الحكومة. ونيجيرفان بارزاني كباقي قادة هذا الاقليم ابصر النور في الكفاح المشروع لشعبه وفي الصرعات السياسية، وقد اعطى ضريبة مباشرة للإبادة الجماعية، وبعد ذلك شارك في تثبيت نواة الادارة المؤسساتية للإقليم في بداية التسعينيات، لتليها مرحلة اخرى لم تسر بالاقتتال الداخلي، ليطوي صفحة عبر دوره في الصلح المجتمعي والسياسي، ومن ثم الجهد الملفت لمرحلة اعمار كوردستان، ولكن اذا تم تسليط الضوء على الجانب الخفي لمشكلات اقليم كوردستان يظهر بانه اختار اصعب الطرق. فمن الواضح ان ارضاء الاحزاب السياسية المتنفذة اصعب بكثير من ارضاء الناس البسطاء من الشعب. فهو مطمئن انه اذا سار التفكير في اطار المصالح والقرارات الحزبية في صيغتها القديمة فليس بعيدا ان تعود كوردستان الى سكة الحرب!
مما لا شك فيه اليوم فان اصوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني ازدادت وباتت اكثر قوة لتوصله لمرحلة ترشحه القيادة فيها لمنصب رئيس اقليم كوردستان ففي الماضي كان رئيسا للحكومة كممثل لحزبه، وسخر جميع امكاناته لخدمة جميع المكونات. فاذا تسلم منصب رئاسة الاقليم، فسيحافظ على زخم المنصب الذي رسخه الزعيم مسعود بارزاني لخدمة الشعب ككل، فمن الممكن ان يكون خروجه من الحكومة شيئا مبكرا عند البعض ومتأخرا عند البعض الاخر. فأنصاره في المرحلة الماضية واضحون ولكن السؤال يكمن في انه في المرحلة المقبلة من يكن مناصروه؟ وفيما يخص الماضي يقال ان الذين يشيدون به بسبب مواقفه وخدماته من الممكن الا يكون من مناصري الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي كان من خلال كونه رئيسا للحكومة وسياسيا ناجحا وبمساندة مستمرة من حزبه استطاع ان يغير اشياء كثيرة داخل المجتمع وان يعبد الطريق للتغييرات المستقبلية.
لقد استطاع بارزاني في جميع الاوضاع من خلال ابتسامته الدائمة ان يظهر بان الكورد شعب حي ويناهض العنف.