في الذكرى الثانية.. الجلبي امة في رجل

ليث شبر


السياسة في العراق شر لابد منه فقد اختلطت فيه الأمور كثيرا وأضحى واقعنا السياسي والاجتماعي مليء بالشراك والتزوير والتدليس حتى ضاعت علينا الحقائق إلا ماندر..
ومما يؤسف له أننا في العراق وفي بلادنا العربية لانعرف قيمة الرجال إلا بعد فقدهم ورحيلهم..
فحينما رحل أحمد الجلبي فجأة من بين ظهرانينا الى رحاب السماء تعالت أصوات الجميع بالإشادة والعرفان بهذا العملاق الذي خطط وعمل بما يملك من عبقرية وطاقة وفكر ووطنية لإسقاط طاغية العصر وليؤسس بحركته الدؤوبة لسنوات طوال فلم يفتر ولم ييأس خلال أكثر من ثلاثة عقود حتى حقق حلما بعيد المنال هو أقرب للمستحيل..
التقيته في مناسبات عديدة بعد 2003 فعرفت فيه مزايا الجموح والطموح والصدق والإخلاص والنزاهة والألمعية وهذه الحيوية المتجددة التي لا تنضب والفكر الثاقب والشجاعة والمروءة والإنسانية وسرعة البديهة والهمة العالية وهو بعد كل ذلك متواضعا بشوشا سهل المعشر أنيق الملبس لا يضع في مجلس قدمه حتى تشرئب له الأعناق وتتسارع الخطى إليه لمصافحته ومرافقته.. 
لقد أحبه الجميع.. المقربون منه والبعيدون عنه.. المؤيدون والمريدون والخصوم والمناوئون.. حتى أضحى الجميع بعد رحيله يعترف بأن الرجل مات مظلوما من قبل من كان لهم عونا وسندا في إيصالهم لسدة الحكم فتنكروا له وحاربوه خوفا وحسدا..
لقد كان همه العراق الذي أسسه وسعى لأن يكون دولة حديثة وبلدا متقدما.. ولكنه وجد تراثه نهبا فقد أوغل أصحاب القرار بالفساد وسوء الإدارة لذلك أشاح عنهم فامتشق سيفه ليعلن عن معركته الضارية ضد كل فاسد معتد أثيم.. في كل ملف يفتحه كانت تتعالى الصيحات المرتجفة وتتواصل الحملات ضده وتركوه وحيدا في ساحة القتال ولأنه أمة في رجل فلم يبرزوا أمامه حينما طلب مبارزتهم فسعوا لإرضائه وعرضوا عليه حطام الدنيا والمناصب فزهد بها لأنه اختار العراق منصبا والعراقيين عزا وجاها.. 
وحينما غيب الموت أحمد فرح الفاسدون والمجرمون وتنفسوا الصعداء.. فعلى محبيه والماضين في دربه أن يكملوا مسيرة هذا العملاق في الحرب على الفساد والانتصار عليه لأنه أساس كل البلاء الذي عانيناه منذ 2003 ومن دون القضاء على الفساد لن تكون لنا القدرة لنؤسس عراقا مدنيا متقدما يعيش فيه أبناؤه حياة كريمة هانئة يعمها الأمن والسلام..