توترات لا ظل لها

صبحي  ساله يي

خلال الأيام الأخيرة، إتجهت الأنظار نحو تحركات وسلسلة زيارات الوفد الرفيع المستوى للحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي رأسه نائب رئيس الحزب، نيجيرفان بارزاني، للأحزاب والقوى الكوردستانية الأخرى من أجل التوصل إلى برنامج عمل كوردستاني مشترك يعتمد في بغداد خلال محادثات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. كما راقبت مواكبة المحادثات والتوصل الى إتفاقات ونتائج ترضي الجميع وتعالج الإشكاليات والأزمات والتصدعات التي نجمت عن السياسات والممارسات السابقة.

مباحثات هذا الوفد مع بقية الأحزاب الكوردستانية، جاءت للإصغاء وإتاحة الفرصة أمام كل طرف لقول ما لديه، إصغاء مقرون بمحاولة الفهم وللإفصاح عما في الخواطر وعدم كتمان المشاعر واحتباسها. وجاءت إستكمالاً لمباحثات كثيرة وفعالة عقدها الحزب الديمقراطي الكوردستاني مع الإتحاد الوطني الكوردستاني، شددت في جميع جوانبها على الثوابت الكوردستانية وأشرت لواقع كوردستاني جديد، وتفاعلات تحمي المصالح الكوردستانية المتداخلة في العراق وفق الاستحقاقات القومية والوطنية والدستورية والانتخابية. كما جاءت في أجواء إيجابية مختلفة في كوردستان والعراق ومواقف مختلفة للأحزاب العراقية خلال الاجتماعات والمحادثات مع الكورد، سواءاً التي جرت في بغداد أو التي جرت في أربيل، مواقف إختلفت عن السابقة التي كانت تضع العراقيل والمشكلات في طريق التفاوض والتفاهم .

أهمية ذلك الوفد تكمن في وعيه بالحقائق التي نعيشها، وإستيعابه لمتطلبات الواقع الجديد، وإدراكه بأننا مقبلون على التحرك ضمن قواعد وسياقات ومتطلبات جديدة، وقطع المسافة المعقولة نحو تحقيق الأهداف الوطنية والقومية. كما تكمن في التوترات التي لاظل لها مقابل الجراح الكوردستانية التي ما زالت تنزف، والملفات الساخنة المغلقة والمفتوحة، والهموم والمتاعب والمشكلات الكثيرة. وأهميته، وهو يقود سفينة التفاوض بنجاح نحو شاطىء الأمان ، تتجسد في قدرته على تحمل الضغوط والتغلب عليها، وإيجاد حلول ناجعة وعاجلة للمشكلات، وإتخاذ قرارات وخطوات جريئة لمعالجة الأوضاع في البلاد، وتصفية كل ما يتعارض مع النظام الديمقراطي والشراكة الوطنية، وكل ما يخل بالقوانين ويتجاوز على القيم التي كانت في أساس بناء التجربة السياسية في الإقليم. وفي قوته التي تؤهله لتحقيق الرهانات المعلقة عليه وإفشال رهانات الحاقدين وقطع المسافة المعقولة نحو تحقيق الأولوية التي هو التوصل الى حل، وإفهام الآخرين، بأنه ينوي بحق التوصل الى علاج للملفات العالقة من خلال مناقشات واضحة وشفافة، وإعادة الثقة بين جميع الأطراف، وعدم الغرق في القضايا التكتيكية على حساب الإستراتيجيات والثوابت .

نتائج المباحثات والإجتماعات السابقة، ستضع النواب الكورد في بغداد، وأعضاء الوفود التفاوضية الكوردستانية، أمام تجاربنا التفاوضية السابقة في وطن إنقلبت فيه المعادلات مع إختلاف المصالح الشخصية والحزبية والطائفية والمذهبية والقومية وتعاني من المتغيرات المؤثرة فيها. وتشجعهم على أن يقدموا العروض والمقترحات بالنسبة لكل قضية، ويقروا الاتفاقات بشكل مكتوب ويحددوا التفاصيل القانونية والسقوف الزمنية بمنتهى الدقة. وترغمهم على التأكيد على شراكة الكورد الحقيقية في العراق، والتوافق في إتخاذ القرارات والتوازن والاستحقاق الكوردي في الحكومة العراقية القادمة.

وبما أنه لم يتم التركيز خلال المباحثات على الماضي وحكاياته، فإنه يمكن القول إن كل التوترات السابقة بين الأحزاب الكوردستانية والتي حاولت إرباك المواقف وتهديد الاستقرار، وإستدراج الآخرين نحو اليأس. إما فقدت ظلها عند البحث عن ثقل أكبر تمنحلكوردستان، وقوة لمواجهة التحديات وإتفاق حول المصالح الوطنية والقومية الكوردية، وعمل مشترك ودفاع عن الحقوق الدستورية لكوردستان وتعزيز النقاط المشتركة، والإصرار على تجاوز نقاط الاختلاف ، أو إنها كانت في الأساس لا ظل لها .