2018 عام من الأعوام العجاف

د.رائد الهاشمي

تعودنا في نهاية كل عام أن نتوقف  ونستذكر أحداثه مهما كانت مريرة ,وعام 2018 انتهى وكان على العراقيين عاماً آخر من الأعوام العجاف التي سيتذكرها العراقيون وتتناقلها الأجيال.

من باب الانصاف سأبدأ بالأحداث الايجابية في هذا العام وهي ثلاثة لاغيرها الأول استكمال النصر الكبير على داعش وهو حدث لايمكن الاستهانة به فقد كانت الفرحة الكبرى لجميع العراقيين حيث شارك الجميع بصنع هذا النصر التأريخي وتم تحريركل المحافظات المستباحة من قبل داعش وشغل هذا الحدث كل العالم لأهميته الكبيرة والبطولات الرائعة التي سطرتها مختلف صنوف القوات المسلحة وقوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركه وقوات الحشد العشائري , والحدث الثاني والذي جاء كنتيجة طبيعية للحدث الأول وهو تحسن الوضع الأمني في البلاد وقد لمس جميع العراقيين هذا التحسن وأبدوا ارتياحاً كبيراً لاستعادة الأمن المفقود منذ سنوات طويلة, أما الحدث الايجابي الأخير فهو انفتاح العراق على المجتمع العربي والدولي وعودة العلاقات المقطوعة مع كثير من الدول وهذا يُعدّ خطوة هامة في الطريق الصحيح.

أما الأحداث السلبية في هذا العام فحدث ولاحرج حيث لايمكن أن ندرجها بالكامل في هذه الأسطر القليلة حيث كان هذا العام كالأعوام التي سبقته مليء بالمعاناة والآلام التي أصابت المواطن العراقي حيث ان معدلات البطالة ارتفعت بشكل مخيف ووصلت الى نسبة 33,4 بالمائة و37,2 بالمائة بين الشباب الخريجين وهذا حسب احصائية رسمية لوزارة التخطيط ولكن النسب الحقيقية أكبر من هذه النسب بكثيرأما معدلات الفقر فقد استمرت بالصعود أيضاَ ووصلت الى أكثر من 30 بالمائة  وتصل هذه النسبة في المحافظات الجنوبية وبعض المحافظات الشمالية الى 41 بالمائة وهذا يعني أن أكثر من ثلث الشعب العراق يعيشون تحت خط الفقر, أما الأميّة فقد جاء في أحدث تقرير صادرعن اليونسكو (منظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ) ان نسبتها في العراق وصلت الى أكثر من 47% بعد أن كان العراق من أوائل الدول في العالم في مكافحة الأميّة, والحديث عن الخدمات الرئيسية يُدمي القلب فبرغم موازنات البلد الانفجارية ورغم تحسن سعر النفط في الاسواق العالمية الا ان الخدمات الأساسية لم تصلها يد الحكومة وبقى المواطن العراقي يعاني من نقص الكهرباء والماء الصالح للشرب وسوء شبكات الصرف الصحي وسوء طرق النقل وشبه انعدام الخدمات الصحية وارتفاع اسعارها وتراجع مستوى التعليم بشكل ملحوظ مع النقص الهائل في عدد المدارس ومناهج التعليم والقضايا اللوجستية التي تخص التعليم بشكل عام,والزراعة وصلت في تدهورها الى مراحل خطيرة وقد نالت قسطها الأكبر من الاهمال الحكومي وشحة المياه التي تفاقمت هذا العام بشكل كبير نتيجة موقف الجارتين المشرّف ايران وتركيا في قطعهما معظم الحصص المائية التي كان يتمتع بها العراق وهذا الموقف المشين يجب أن يبقى عالقاً في ذهن كل العراقيين.

الفساد الذي استشرى في جميع مؤسسات الدولة ومفاصلها منذ عام 2003 ولحد الآن تنامى في هذا العام بشكل كبير بسبب غياب الاجراءات القانونية والقضائية بحق الفاسدين, والسلاح لازال يسرح ويمرح خارج سيطرة الدولة بيد من هبّ ودبّ والحكومة تتفرج ,أما موازنة البلاد المالية فبلغت 88,5 مليار دولار وبنسبة عجز مالي بلغ 10,6 مليار دولار حيث ازدادت القروض الدولية ونسبة فوائدها بشكل ملحوظ رغم كل الأصوات المنادية بايقاف اللجوء للاقتراض الخارجي وكالسنوات السابقة كانت مفردات الموازنة معظمها نفقات تشغيلية لتغطية نفقات الرئاسات الثلاثة ووزارات ومؤسسات الدولة وحصة المواطن منها شيء لايذكر والاستثمار فيها شبه مفقود .

حملت أيام عام 2018 للعراقيين اضافة للمعاناة الناتجة من الاهمال الحكومي هموماً جديدة أخرى لم تكن بالحسبان زادت من حجم المأساة التي يعيشوها فقد فتك وباء انفلونزا الطيور في بداية العام بأكثر من 316 ألف دجاجة مصابة في ديالى وبابل وبغداد وبعدها جاء الجفاف الذي هدد أمن العراق وثرواته الزراعية ونتج عنه خسران العراق 40% من انتاجه الزراعي وخاصة محصولي القمح والشعير, وبعدها جاءت كارثة السيول التي اجتاحت العديد من المحافظات العراقية ودمرت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية مع محصولاتها وتسببت بتهجير آلاف العوائل وتدمير المئات من المنازل والى استشهاد عدد من المواطنين وجاءت ظاهرة نفوق الثروة السمكية غامضة لم يستطع أحداً من سبر أغوار طلاسمها لتزيد من الطين بلّة وتهدد ثروتنا السمكية التي تشكل جزء كبير من سلة المواطن الغذائية.

ملف النازحين لم تتمكن الحكومة من طيّه في عام 2018  بالرغم من تحرير جميع المحافظات العراقية ولازال الآلاف في معسكرات النزوح يعانون الويلات وعيونهم ترنوا للعودة الى بيوتهم المدمّرة.  

أما القدرة الشرائية للمواطن العراقي فلقد  استمرت في الانخفاض في عام 2018 وأصبح لايستطيع سد احتياجاته واحتياجات عائلته الأساسية, فتجمعت كل هذه المعاناة والآلام ونقص الخدمات فأصبحت الفجوة بينه وبين الحكومة والسياسيين بشكل عام كبيرة جداً وأصبحت الثقة معدومة ونتيجة لذلك اندلعت شرارة التظاهرات في محافظة البصرة والمطالبة بالاصلاح وتوفير الخدمات الأساسية وفرص العمل وحل مشكلة الماء الصالح للشرب الذي تلوث وتسبب بآلاف حالات التسمم ,ومن البصرة الطافية على بحيرات من النفط والتي تزود موازنة الدولة بمعظم ايراداتها والتي أنهك العطش والجوع والمرض والبطالة شعبها المسكين انتقلت شرارة التظاهرات السلمية الى معظم المحافظات الجنوبية والوسطى ووصلت الى العاصمة وقد أجبر هذا الحراك الشعبي الكبير الحكومة الى ارسال وفود عالية المستوى وحتى رئيس مجلس الوزراء لمحاولة امتصاص الغضب الشعبي واطلاق الوعود باتخاذ الاجراءات السريعة لتوفير الخدمات الضرورية وفرص العمل للعاطلين عن العمل ولكن هذه الوعود لم يتحقق منها شيء يذكر ولكن الشعب اتخذ قراره بتأجيل هذا الحراك الشعبي لحين تشكيل الحكومة الجديدة والانتظار ماذا ستفعل تجاه مطالبهم, وبعدها جائت الصراعات السياسية بين الكتل والأحزاب حول تشكيل الحكومة الجديدة وتصاعد الخلافات بشكل كبير مخيباً لآمال الشعب البصري لذا قامت الجماهير باستئناف التظاهرات لوصولها الى حالة اليأس من الطبقة السياسية الحاكمة ولا أحد يستطيع التكهن بما ستؤول اليه الأحداث في الايام القادمة لأنها ستكون حبلى بالأحداث.

خلاصة القول انطوى عام 2018 بكل مآسيه وبقيت نفس الكتل السياسية جاثمة على صدور العراقيين الذين لن ينتظروا تغييراً في أحوال البلاد في عام 2019 وسترّحل كل المشاكل والمآسي الى عام آخر من الأعوام العجاف.