الكورد ومرح العبادي

صبحي  ساله يي

الأحداث السابقة في العراق تخبرنا دوماً ان الماسك بزمام السلطة في بغداد يتهم الكوردي بالمتمرد الإنفصالي والخائن والعميل لإسرائيل، ويصف منتقديه من غير الكورد بإنعدام الوطنية وعدم الشعور بالمسؤولة والملحد والكافر، وعلى الدوام يكون عنده الإستعداد لتقديم كل أنواع التنازلات في حالات الإقتراب من السقوط أو الإنحدار نحو الهاوية، رغم ذلك لم ينته أي من الماسكين بزمام السلطة بنهاية حسنة تسر الصديق.

سقت هذه المقدمة لأتحدث عن (مرح) السيد حيدر العبادي الذي إعتبر السيطرة على كركوك، وطعن الكورد في الظهر، تغييراً في الوضع السياسي، وصفقة مغرية تمنحه الأحقية المطلقة في الحكم، وإنحساراً لقوة الكورد ووأداً لأحلامهم في إقامة دولتهم المستقلة الى الأبد، أو حتى المحافظة على وضعهم الدستوري وحكومتهم الاقليمية المثبتة في الدستور، لذلك إنقلب وحرض وناور وبالغ وخادع وتوزع بين الطمع والغرور، وسوء التخطيط والتقدير، والتهديد والوعيد ومنح الوعود الكثيرة والكبيرة، وحمل نفسه مسؤولية الأحداث وكل الحسابات الخاطئة، دون أن يكون له دور فيها، ظناً منه أنه الضمان القوي لعودته الى الحكم في ولاية ثانية.

الطريقة التي سعى بها العبادي لضمان مستقبله السياسي، وإصراره على الإستعلاء والمضي في طريق الخطأ، رغم التحذيرات المختلفة، ودون التعلم من الأحداث جعله متحدياً ومتجاهلاً للجميع، بمن فيهم الذين قبلوا به رئيساً للحكومة، والذين أوصلوه الى السلطة وحققوا الإنتصار العسكري على داعش. فأوصلهم الى قناعة يصعب التراجع عنها، ولكنهم يدركون الوضع الضعيف والمقسم الحالي للعراق لذلك يتعاملون معه بواقعية. والواقعية هنا ليست بالضرورة أن يتركوه ليفعل ما يريد، أو يتوحدوا ضده ليحاربوه، ولكنهم سيحاسبونه بطريقة ناعمة، ودون عجالة.

في الأفق مؤشرات على إحتمال بدء الحوار بين أربيل وبغداد خلال الأيام المقبلة، وسيكون هناك إحتمالين : أولها التوصل الى حلول سياسية وقانونية تتوافق مع تطلعات ومصالح الكوردستانيين ومنسجمة مع الواقع ومع منظور ما يفرضه العصر وما تفرضه الخصوصيات التاريخية والقومية والوطنية الكوردية، وثانيها: ان لايتم ذلك، رعاية لمصالح مذهبية وحزبية وتلبية لرغبات شخصية ومصالح وأهدافاً مرحلية مدفوعة بدوافع ذاتية ونظرات ضيقة تعتمد على الخيال و التمنيات. وبين هذا وذاك، والعبور وعدم العبور الى الضفة الاخرى وتحقيق المرام، هناك كم هائل من العموميات الواضحة التي تفرض نفسها لبيان النيات التي تتحكم بالعقول والافكار خلال التعامل مع المستجدات والمتغيرات وتحليل المعادلات، فإجبار بغداد ودفعه الى الدخول في الحوار في أجواء غير مهنية وغير جدية، يعني إحتمال تصلبه في المواقف، وتغريده خارج السرب وتجاهله العروض والخيارات، ووصول المحادثات الى طريق مسدود في أسرع وقت، وإنتهاءها قبل التوصل الى حلول ترضي الجانبين، بل وصياغة سيناريو معاكس للقناعات، ومتطابق مع (المرح) والدعوات التي تدعو الى عدم الدخول أصلاً في الحوار، إضافة الى تناغمها مع السجال السياسي المتزايد الذي يصب الزيت فوق النار لتأجيج الخلافات، والذي يحمل الإقليم مسؤولية ايصال الأمور الى ما هي عليه اليوم من توتر دون ذكر أو حتى التلميح لتخلي بغداد الدائم عن الدستور الذي يشكل القاعدة الوحيدة الممكنة لاعادة الثقة بين جميع الأطراف وتطبيق حلول سياسية تضمن حقوق وواجبات الجميع. كما أن سقف مناورات الحوار المرتفع جداً لدى بغداد، وتمسكها بالسير مرحاً وتصلبها في طرح المطالب والشروط، قد تبرز حقائق أخرى الى العلن وهي الإستمرار في المراوغة وإطالة عمر المباحثات لإحراج اربيل والإستخفاف بقوتها أولاً، والإستفادة من تلك المناورة للدعاية الإنتخابية ثانياً. مستندةً على سلاح القرارات التي صدرت عن البرلمان العراقي والمحكمة الدستورية، ومراهنةً على ضغط محلي سياسي وإقتصادي يجبر أربيل على تقديم التنازلات في أمور تتعلق بدائرة واسعة من القضايا وتؤثر على كل شيء في كوردستان .

لكن الذي يجري على الارض يشير بوضوح الى أن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة بالنسبة لبغداد وشخص حيدر العباديومرحه، والتطورات الجديدة التي تحصل ستكون فيها مفاجأت جديدة تفرض نفسها على جدول أعمال حكومته وحدود إمكاناتها، ولا يمكن لهذه الحكومة أن تستمر من دون أن تأخذ بنصائح الإصدقاء الذين يدعون الى تحقيق المصالحة السياسية ومعالجة الأزمات في اطار مباحثات وتفاهمات شاملة وعادلة وشفافة تعتمد صيغاً توافقية تمنع المواجهات بين الاعبين والمؤثرين، وتختصر الطرق والمسافات.