يحيا العدل

القاضي عبد الستار البيرقدار

يحيا العدل، هتاف تنطلق به أفواه لطالما كمّمها ظلام الصمت وصوت الظلم، فتاقت لبريق الحق، واثقة به وبأهله، ومتذرعة بسنن الكون، وأنه مهما أوتي الباطل من زخرف القول ولحنه، ومهما قوي عوده واشتد فلابد يوماً أن ينكسر ويندحر لتشرق أضواء العدل المبهرة محطمة حجب الظلام وأستاره، فلن تحول دون شمس العدل غيوم الباطل، فما أن تنطلق كلمات الحكم بالعدل حتى يدوي الهتاف كالرعد مجلجلاً يزلزل الأركان، فتهتز له المشاعر وتسمو معه الأرواح في لحظة أسمى ما تكون فيها المشاعر وأصدق ما تكون الأحاسيس.

قد صور فنان قديم العدالة بأنها امرأة معصوبة العينين ممسكة بيد سيفاً وبالأخرى ميزاناً، إنها معصوبة العينين لا ترى البشر فلا تميز بينهم، لا تجور على عدو بغيض ولا تحابي صديقا،لا يميل فؤادها متأثراً بما تراه عينها إما حبًّا أو كًرها، ثم هي ممسكة بسيف الحق تقطع الباطل به، وتمضي به على أعناق الآثمين، إنها علامة بارزة وشعار يزين واجهات كافة دور المحاكم، حقا لقد أفلح الفنان وعظم المكان، فما أجمل أن يرتسم هذا الشعار النبيل على دور العدالة يعلوه قول الحق تعالى {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}، إنه وازع اطمئنان ومبعث أمان لكل من تلج قدماه أعتاب المحاكم.

فالقضاء موطن العدل يهرع اليه الناس جميعاً يلتمسون فيه العدل والانصاف، وهم عنده سواء، لا يرهب أحد لقوته، ولا يستخف بحق أحد لهوانه، وضعف حيلته، لا شريف أمامه ولا مشروف. فالقضاة هم ضمير أمتهم ورمز إرادتها، وصدى وجدانها ومعقد رجائها في إعلاء كلمة الحق والعدل، التي أودعها خالقهم أمانة مقدسة بين أيديهم، لينطقوا في أمرها- بعد جهد وعناء- بكلمة فاصلة، مانحة مانعة، لأنها كلمة الحق جل وعلا يجريها على لسان من استخلفه من عباده ليؤدي رسالته على الأرض بميزان قسط.

فليحيا العدل.. قيمة عليا وهدفًا أسمى لكل من ولّي الحكم على الأرض.. وليحيا العدل نبراساً ومنهجًا وطريقًا لمن اصطفاهم الله لأداء رسالته بين الناس.                                                              

وليحيا العدل في كل ذرة من كريات دم كل قاض، ينبض به قلبه، تعلو به هامته، تزداد به مكانته، ويعظم به أجره، فليحي العدل في نفوسنا، في قلوبنا، في وجداننا ما حيينا، نتنفسه كالهواء يروي أجسادنا كالماء.. فليحيا العدل.