دور الخمر في تطور حضارات وادي الرافدين

قصي الصافي

 

الخمر ..أهو إلهيٌ مقدس أم رجسٌ من عمل الشيطان مدنس ؟، يستشيط الإسلامي غضباً لمجرد ذكره، ومن يحلق بنشوته ينشد فيه الأشعار ويسميه ماء الحياة، بيد أن تلك التسمية لم تكن ابتكاراً حديثاً، فقد اطلقت الجامعة الإيطالية في القرن الرابع عشر على الكحول إسم ماء الحياة بعد أن عثر أحد اساتذتها في كتب العرب على طريقة تحضيره بأمبيق التقطير الذي كان قد صممه جابر بن حيان الكوفي، وقد سماه الاوروبيون كذلك لإعتقادهم أن فيه شفاءً لكل داء، ويحكى أن ملكاً قد مرض فغطس في حوضٍ مليء بالكحول ، ولما إقترب من شمعةٍ في قصره شبت بجسده النار.

يعود إرتباط الجعة ( البيرة) بحياة وصحة الإنسان إلى الحضارات الأولى، ففي إسطورة كلكامش كان انكيدو يهيم في البراري ويعيش مع الحيوانات ، وما إن أكل الخبز وعب سبع جرارٍ من البيرة حتى صار يرقص ويغني واغتسل بماء النهر ، فهربت منه الحيوانات وماعادت تأمنه وهي تشم فيه رائحة الإنسان. من الواضح أن البعد الرمزي للإسطورة يشير إلى أن الأنسنة والإنفصال عن عالم الحيوان يبدأ بتناول الخبز والبيرة. أما المصريون القدماء فقد كانت البيرة بالنسبة لهم هي ما أنقذ البشر من الهلاك، ففي اسطورةٍ من وادي النيل كانت (حاثور ) قد ضاقت ذرعاً بالبشر وعزمت على ابادتهم جميعاً، فرق ( رع )لحالهم وخشى أن لايبقى من الناس من يعبده ، فسكب سبعين ألف جرة من البيرة على الأرض حتى أصبحت الأرض براقةً كالمرآة، ولما جاءت (حاثور ) وأبصرت صورتها على مرآة الأرض ، رغبت أن ترتوي من جمالها فعبت من البيرة حتى ثملت ونسيت مهمة إهلاك البشر.  كان المصري يحيي معارفه بالقول "جعةً وخبزاً " أي اتمنى لك خبزاً وبيرة، والخبز كما سنرى هو الصيغة الصلبة للبيرة وكان يسمى " بابير" وهو مقدس مثلها، وربما يكون تقديس المسلمين للخبز وعادة تقبيله إمتداداً للمقدسات المصرية القديمة، وما اقتصار العشاء الأخير لأصحاب المسيح على الخبز والنبيذ ببعيد عن ذلك أيضاً.

كانت البيرة أول اصناف الخمور التي عرفها الإنسان، وكان ذلك في بلاد مابين النهرين٩٠٠٠ ق.م ، ويرى علماء الأنثروبولوجيا انها لعبت دوراً هاماً ليس في الحياة الإجتماعية والدينية والسياسية وبناء المؤسسات فحسب بل في إكتشاف الزراعة وظهور الكتابة أيضاً.

 

كان الهلال الخصيب وخاصةً المناطق القريبة من الأنهار أراضٍ مثالية لتوطن الإنسان وتوقفه عن الترحال بحثاً عن الغذاء، وذلك لوفرة الحبوب والمحاصيل  البرية والأسماك ، إضافةً إلى تطور أدوات الإنسان في الحصاد والتجميع والصيد وإختراع الرحى الحجرية لطحن الحبوب. كان حساء الشعير المنقوع بالماء حساءً شبه يومي لتوفره بكثرة، ومنه تعلم الإنسان عمليات التخمر الطبيعي، ليطور بعد ذلك تقنيات  التخمير الصناعي. و كانت المصادفة الأولى أن حساء الشعير المتروك تحت الشمس قد إكتسب مذاقاً حلواً نتيجة تخمر النشا وتحوله إلى سكر، ولندرة الفواكه استطاب الإنسان القديم طعمه، فعمد -عبر تجارب طويلة- إلى زيادة المذاق السكري بزيادة مسحوق الشعير ( نشا  أكثر ينتج سكراً أكثر) وبتسخينه على النار ( الحرارة تعمل على تنشيط انزيمات التخمر ). كان الإكتشاف الأهم أن حساء الشعير السكري المتروك لفترة طويلة قد تحول فيه السكر إلى كحول، وهكذا تم إكتشاف البيرة لتكون منعطفاً هاماً في تأريخ الأنسان.

شعور الإنسان القديم  بالنشوة والإبتهاج عند احتسائه البيرة لأول مرة، كان بمثابة الفعل السحري الذي لابد أن ينسبه للآلهة، مما اضفى عليها طابعاً قدسياً. شاع إستهلاك البيرة تدريجياً لا لقدسيتها فقط بل لأن الإنسان القديم قد لاحظ عبر أجيال أن من ينشأ على احتساء البيرة يكون اقل عرضةً للأمراض وأقوى جسداً من ذلك الذي يكتفي بشرب الماء، ويعود ذلك حسب معارفنا العلمية الآن إلى سببين:-

أولاً: إحدى اشكالات إستقرار الإنسان في مكان واحد تكدس النفايات والفضلات مما يسبب تلوثاً لمياه الشرب، وهذا مايجعل البيرة أكثر نقاء من الماء لإحتوائها على الكحول.

ثانياً: كانت البيرة تحتسى قبل إكتمال تخمرها  مما يعني أنها تحتوي على القليل من الكحول والكثير من البروتينات وفيتامين ب والأحماض الأمينية.

مع الزيادة المضطردة في إستهلاك البيرة تضاعفت الحاجة إلى الشعير، ولم يعد الشعير البري كافياً ، فكان على الإنسان أن يبحث في أسرار الطبيعة ويكتشف طريقةً لإنتاجه بنفسه ، وهكذا كانت البيرة حافزاً رئيسياً لإكتشافه الزراعة، وإن كلفه ذلك أكثر من ألف عامٍ من التجريب.

بعد إكتشاف الزراعة وتطور معارف الإنسان بتقنياتها تكدس فائض الحبوب وخاصةً الشعير، مما دعا الإنسان إلى إنشاء بيوت التخزين تحسباً لنقص الغذاء في المستقبل ،ولصعوبة تخزين البيرة السائلة فقد لجأ الإنسان إلى تخزين مادتها الأولية وتدعى ( البابير )، وهي نوع من أنواع الخبز يستخدم لتصنيع البيرة عند الحاجة. يصنع البابير من عجينة متجانسة من طحين الشعير وتمر الزهدي والماء، تترك العجينة لتختمر ثم تشوى للمرة الأولى وتقطع إلى شرائح وتترك لتبرد ، ثم تشوى ثانيةً حتى تصبح يابسةً وذات لون بني غامق. يمكن تخزين البابير لسنوات، وعندما يراد تصنيع البيرة ، يذوب مدقوق البابير مع الماء وقليل من العسل ويسخن قليلاً ثم يترك للتخمر.

تشير المساحات الكبيرة لبيوت التخزين التي عثر عليها في آثار سومر إلى أنها لم تكن ملكية فردية أو عائلية، بل ملكية جماعية للقرية. وقد أصبحت تلك البيوت معابد دينية يزودها السكان بالمواد التموينية كنذور وعطايا للآلهة كي تبارك موسم الزراعة. تلك المعابد ستتحول فيما بعد إلى مراكز رئيسية للدولة.



لشحة الأمطار في بلاد ما بين النهرين وكثرة فيضانات دجلة والفرات، كان لابد من وجود دولة مركزية قوية تقوم بإنجاز مشاريع الري وشق الترع والسواقي وحفظ الأمن وتوزيع الغذاء على الشعب في مواسم القحط والكوارث، ولتغطية نفقات تلك الأعمال يقوم رجال الدين بجمع الضرائب التي كان يقدمها الناس على شكل نذور للآلهة. تقدم الضرائب على هيئة حبوب وفواكه وحيوانات إلا أن الجزء الأكبر منها على شكل بيرة بصيغتيها السائلة والصلبة "البابير". لسهولة قياس وتقسيم البيرة أصبحت عملةً يدفع بها المعبد رواتب العاملين والبنائين والموظفين ورجال الدين. الأجر اليومي للعامل البسيط ( سيلا ) واحدة من البيرة (أقل بقليل من لتر) ، بينما يصل راتب الموظف الكبير إلى ٤ ( سيلا)، ولا يعني الأجر أن المستلم سيحيى فقط على احتساء البيرة ، بل يمكنه شراء ما يشاء من السلع، فالبيرة عملة وسطية للتبادل السلعي ،إذ تقاس قيمة أي سلعة بما يقابلها من البيرة، كما كانت البيرة تدفع كمهر في الأعراس.

نظراً لإستعمال البيرة في الضرائب والبيع والشراء وما إلى ذلك، انبثقت الحاجة الى سجلات توثيق ووصولات إستلام وتسليم على الألواح الطينية، مما شكل حافزاً لظهور الكتابة لأول مرة في تأريخ الإنسان. لقد خلص المهتمون في دراسة الحضارات القديمة إلى أن البيرة كانت السبب الرئيسي لظهور الكتابة أو أحد الأسباب الرئيسية على أقل تقدير. 

أصبحت البيرة في وادي الرافدين شراباً يومياً يقدم مع كل وجبة ويحتسيها الأغنياء والفقراء والأطفال والنساء، وتقدم في المآتم والأعراس والمناسبات الدينية،وقد عرف العصر البابلي أكثر من ٢٠ نوعاً منها، ويحتسي السومري مع ضيوفه من نفس الوعاء بواسطة القصبة (الشلمونة ) كما توضح الرسومات الأثرية،ولم يكن ذلك بسبب وجود قشور الشعير وبقاياه في البيرة، خاصةً أن السومريين قد توصلوا آنذاك إلى تقنية الفلترة، بل يعزى إلى كرم الضيافة وتطمين الضيف أن البيرة لا تحتوي على السموم أو ما يضر بصحته طالما أن المضيف يشاركه نفس الوعاء.

كان السومريون يسرفون في الشراب إلى حد الثمالة والعربدة،وتصف ذلك إسطورة الإغريق التي تعكس استعلائهم العرقي المعروف، والتي تقول أن ديونيسيوس إله النبيذ قد ضاق ذرعاً بالبرابرة محتسي البيرة في وادي الرافدين، فهرب منها إلى أثينا ليمنح الشعب الإغريقي النبيذ كهبة الهية. و يرى الإغريق الإعتدال في شرب النبيذ دليلاً على التحضر، وهذا ما قصده كاتب الملاحم اسخيلوس بقوله " النبيذ مرآة الإنسان ". الوظيفة الأساسية للنبيذ لدى الإغريق هي تنشيط العقل وليس السكر، وكان أرستوفانيس يردد في السمبوزيوم (تجمع الفلاسفة) قوله " اعطني شيئاً من النبيذ لتتدفق من فمي الحكمة"، ويشبه افلاطون ديمقراطية أثينا التي يزدريها -لإشراكها الرعاع في إتخاذ القرارات- بالنبيذ الذي يتاح للرعاع فيسرفون بشربه حتى فقدان العقل والعربدة.

 

البيرة التي ساهمت في إكتشاف الزراعة وظهور الكتابة وبناء جسد الإنسان وتطبيبه وبناء الدولة المتمثلة بالمعبد وتمويل مشاريع الري والبناء وغير ذلك، أهي رجس من عمل الشيطان أم علامة مميزة في تأريخ الأنسان ؟