فقط لمن يشعر بالحزن معي

هادي جلو مرعي

للحزن طقوس، وللقلب وجع يراوده حين يحين موعد تلك الطقوس، وهي لاتحتاج الى معبد، ولا الى تكية، وربما يكون مقامها الروح، أو أن تمارس في ظل شجرة، أو على قارعة طريق، أو في غرفة مظلمة، أو خافتة الضوء، أو عند سماع أغنية قديمة، أو عند الترنم بصوت بعيد راحل مطوي في أعماق الذاكرة الذبيحة التي ماتزال ترتجف، بينما الدم ينبثج منها كنبع في جبل.

    مضى ذلك الزمن حين كان القلب يعشق كل جميل، وحين كانت خصلات شعرها تسبح في الريح، أو حين أغادر مدينتي الى قلب العاصمة بحثا عن فرصة للألق وللحياة وللحب، أو حين أقتحم دار سينما وانا أفكر في مستقبل مختلف، أو حين أروح وأجىء مستمعا للحن خالد من ألحان أم كلثوم الجميلة حين تغني.

    دا مستحيل قلبي يميل، أو يامسهرني، وأنت عمري، ومخطرتش على بالك يوم تسأل عني، أو حين تطل علينا في المساءات الجميلة بقصيدة الأطلال الرائعة وتنادي.

يافؤادي لاتسل أين الهوى

كان صرحا من خيال فهوى

إسقني وإشرب على أطلاله

وإرو عني طالما الدمع روى

    لم أفكر للحظة إن العمر سيجري وكأنها نبوءة لأم كلثوم حين تغني ( دارت الأيام) وهاهي تدور وأنا أنتظر الموت بحزن، وقد غاب عني من أحب، وفقدت الأعزة والأهل، وصار الذين نبتوا في القلب موزعين في الغربة في عواصم ومدن الدنيا، أو في القبور، فحين دفنت حبيبتي ووقفت على قبرها لم يعد بالإمكان تصور أن تكون الحياة بعدها جميلة.

آه هاهي تغني

القلب يعشق كل جميل

وياما شفت جمال ياعين

والي صدق بالحب قليل

وإن دام يدوم يوم ولا يومين

الله عليك ياست. ياكوكب الشرق الذاهل بالزمن المنصرم. وتمضي تلك الأيام وتأتي الغربة القاتلة، ولكن تلك الأيام تعود كخيال في الذاكرة، فالأشخاص ماتوا، والحب إندثر وإنطوى في مكان ما.

    الأيام التي تزورنا كل يوم تأخذ منا سر الحياة والخلود، وتفنينا دون شعور منا، فهي تجري بنا وتسحبنا بقوة، ولانعود قادرين على فعل شيء. صحيح إننا نأكل ونشرب وننام ونعمل. لكننا لانشعر بذلك إلا كمكرهين على ممارسته كأسلوب حياة معتاد، غير أن شعورنا المتدفق بالحزن يحكمنا وبالغربة يراودنا ويسرق منا لحظاتنا، وصحيح أن الحياة حافلة بالناس من الذين يعيشون معنا كبشر لكنهم في الحقيقة مجرد مجموعات من الحمير بهيئات بشر، يقتلون ويسرقون ويكذبون ويحكمون ويفعلون، كل مايرغبون به، ولايعبأون بالقانون، ولا بالأخلاق فقد مات في نفوسهم الشعور بالآخر، وبقيمة الحياة كمعنى، وجعلوا ذلك مرتبطا بحواسهم وبحيوانيتهم. فصرنا نكره الحياة معهم، ونتمنى أن تنتهي، وربما كنا وصرنا نلتصق بالماضي كشريط سينما يمر بنا لنسكر به، وننسى لبعض الوقت.