الدولة وظاهرة الدول داخلها

عبدالخالق الفلاح

دراسة مختصرة

=========

شكّلت ظاهرة الدولة بمفهومين أساسين وهما مفهوم المواطنة ومفهوم السيادة وبمحاور و نظريات عديدة، سعت إلى تفسيرها وإدراك جوهرها والتكهّن بمستقبلها. مصطلح الدولة مستخدم منذ القدم، حيث إن فلاسفة اليونان قد شملوا هذا المصطلح في كتاباتهم، فمثلاً تناول أرسطو مفهوم الدولة على أنها تلبّي الاحتياجات المختلفة للأفراد كالاقتصادية والأمنية ، اذاً هي كيان مستهلك يخدم الإنسان ويوفر له ظروف معيشة مناسبة و تعبير عن مجتمع يعيش ضمن إطار معين قد يكون محدد جغرافياً، و لها اركان معينة مثل  مساحة من الأرض، وتشتمل على اليابس وكذلك المجال الجوي، وهو ما يعلو يابس الدولة ومياهها الإقليمية إن وجدت، وتعرّف المياه الإقليمية على أنها شريط مياه المحيط أو البحر المجاور للدولة ويخضع تحت سيادتها .

اما في بعض المجتمعات الريفية والصحراوية فلا علاقة لها بالدولة التي تأويها، ورغم ذلك تعيش ضمن نظام وإطار يحكمه العديد من القيم، ويمكن اعتبار الدولة على انها خيار إنساني بالأساس . وهذا يعني أن في كل دولة قد توجد دولة أخرى ذات مجتمع آخر وطبيعة مختلفة، بالتالي هي ليست قيمة لأن التنوع سمة أساسية لها، ولا تجوز عليها القيمة أصلاً،  وقد كان للتجارب البشرية عبر العصور، الدور الأساس في نشأة الدولة الحديثة التي ظهرت في أوروبا مع مطلع عصر النهضة، بعد أن أخذ المجتمع السياسي في الغرب خصائص التجارب السابقة التي ميّزته بوضوح عن سائر أشكال المجتمعات.. اما في الاونة الاخيرة ظهرت مصطلحات جديدة اخرى في العالم الثالث لا سيما في مجال الإعلام وخطابات الساسة وبعض النخب الفكرية، اكتسى جاذبيةً خاصةً، وتحولت هذه المصطلحات  إلى شِبه ازِمة في تفسيرها و ما يجري في بعض البلدان ، بل غدا لدى بعض محلّلي الشأن السياسي إلى ما يشبه اليقين أو الحقيقة. والحال، أنه مفهوم يحتاج إلى تمحيص أكثر ، للدلالة على وجود جهات خفية تعمل بشكل غير ظاهر للعيان وتخلط الاوراق لتضليل الناس وتنتهي إلى تشتيت الانتباه عن قضية ما، أو يمكن أن يهدف إلى توجيه الرأي العام إلى قضية ما، أو الخيار الثالث وهو الانشغال المفرط بقضية معينة. لتختفي خلف الازمات و تدير الدول بشكل كامل خدمة لمصالحها تدعمها قوة اخرى خفية غير مرئية للعيان، متحكمة في مصادر الثروة والجاه والسلطة وديمومتها، واستمرارها متحكمة في صنع السياسات واتخاذ القرارات، ودون أن تتحمل مسؤولية الرقابة والمساءلة الشعبية، بينما تكون المؤسسات الحكومية التنفيذية والتشريعية شكلية ومهمتها تنحصر في شرعنة قرارات وفساد الدولة العميقة ،كونها مدمرة لوجود كيان الدولة ، وتصل بالدولة أولا الى الدولة الضعيفة ثم الدولة الفاشلة أو الهشة ثم تتطور الى المرحلة القاتلة مرحلة إنهيار الدولة : أخلاقيا، سياسيا، إقتصاديا، إجتماعيا ، تعليميا ، صحيا ، وأمنيا ، وضعف القضاء ، نهب المال العام وإنتشار الفساد المالي والإداري في جميع مفاصل الدولة، غياب العدالة الإجتماعية وسيادة القانون، تدهور الخدمات العامة والبنية التحتية، تدمير منظومة القيم الإجتماعية، وكل ذلك يؤدي الى ان تكون الدولة العميقة دولة داخل الدولة او دولة فوق القانون. مثل الدولة العميقة، الدولة الموازية، دولة داخل دولة، دولة الظل، ولكن الاخطر في هذه المصطلحات ،الدولة العميقة وتعرف بأنها: مجموعة التحالفات والشبكات التي لها اذرع متعددة والتي تمتد داخل جسد الوطن الواحد أفقياً وعموديا بدون ان يكون لها شكل او تنظيم محدد او معروف، وتضم الدولة العميقة: رجال سياسة، رجال أعمال ومال وبنوك، ضباط أمن وجيش، أعضاء برلمان، قضاة، رجال دين وإعلاميين وفنانيين، وكل هؤلاء يشكلون فيما بينهم شبكة من المصالح المشتركة وتكون هذه الشبكة معقدة ومترابطة ولا يعرف معظم أفرادها بعضهم البعض ولكنهم يعملون لهدف مشترك واحد وهو تنمية وحماية مصالحهم الشخصية والامتيازات التي حصلوا ويحصلون عليها والتي غالبا ما تكون طرق الحصول عليها مخالفة للقانون مما تكون سبب مباشر في صنع الدولة الفاشلة هذا المصطلح اخذ يستخدم من قبل مختلف وسائل الإعلام في العالم إذ يؤخذ على هذا المفهوم بأنّه غير دقيق ، بوتيرة أسرع من السابق، ولكن يكتنف تعبيره الغموض  ، ويحتمل عددًا كبيرًا من التأويلات والتساؤلات، كما أعطي مجالًا أوسع ليشمل دولًا كثيرة، الضعيفة منها وغير الضعيفة، وذلك لأسباب عديدة، يرتبط بعضها بالوضع الداخلي للدولة الموصومة بالفشل على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، وبعضها الآخر بمصالح الدول الفاعلة ومخطّطاتها الآيلة إلى إعادة ترسيم مناطق النفوذ وإخضاع دول لغايات سياسية. بالإضافة إلى ذلك، دفع التطور الحاصل في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، إلى استخدام تعبير الدولة الفاشلة للتأثير سلبًا في الرأي العام الدولي والإقليمي والمحلي، لناحية نظرة هذا الرأي الدونيّة إلى الدولة المسمّاة فاشلة، واعتبارها غير مؤهلة لتكون جزءًا من المنظومة الدولية، وبالتالي زعزعة ثقة الدول والمؤسّسات والأشخاص بالتعامل معها في مجالات شتّى.