رحل البارزاني، ولم يرحل

صبحي  ساله يي

في آذار 1975، وبعد التوقيع على إتفاقية جزائر المشؤومة التي دبرت في الكواليس، وشاركت فيها أطراف عدة، تعرض الكورد وثورتهم التحررية، ثورة أيلول، وقائدهم الخالد مصطفى البارزاني، لغدر الأعداء وخيانة الأصدقاء، في مقابل عن تنازلات عراقية كبيرة لشاه إيران. وتجنباً للويلات وحقناً للدماء، قرر البارزاني الخالد، المعروف بحكمته وخبرته وذكائه الاسطوري الخارق وشجاعته وحرصه على شعب كوردستان وبيشمركته البواسل، القبول بالخيار الصعب والحرج، والايقاف المؤقت للقتال والعمليات العسكرية.

 حينها، سكت العالم على حصار شعب أعزل، وغلق كل الطرق بوجههم، وسكت على جبروت وعدوانية البعث وسلطاته المتغطرسة بعنصر القوة من دون الاعتراف بالكورد كشعب يحق له ما يحق لغيره، ورضى وصمت على الجرائم الشوفينية اليومية التي إرتكبت من قبل الدوائر والأجهزة القمعية البعثية في المدن والقرى والمدارس والدوائر وحتى المساجد والكنائس الكوردستانية، وقبل بمقارباتها وأقوالها وأفعالها الخادعة ومكائدها ودسائسها في المحافل الدولية.

بغداد لم تتوقف للحظة من التفكير في الإعتداء وإرتكاب أبشع الجرائم بحق الانسان الكوردي، وتدمير بنية كوردستان التحتية. والأمر المؤسف الذي يجب التنويه اليه هو إستدراج العراقيين الى معاداة المواطن الكوردي وإستفزازه، وإنجرار شريحة من الحمقى الكورد والعرب وشذاذ الآفاق نحو الفخ البعثي ومغرياته وكلامه المعسول ووسائله الاعلامية الخبيثة التي كانت تطرح الأكاذيب لتشرعن وتبارك إغراق الكورد في الوحل متى ماشاء الدكتاتور، والبعض منهم تمادى في مدح البعث وتلميع صورته وزمر للنزعات الإجرامية التي كانت تعشعش في عقله وفي العقل السياسي المتخلف الذي كان يعبر عن أحقاده تجاه كل ما هو غير عربي بأشكال مختلفة وفي فترات متفاوتة، ومع ما كان يتوافق مع طبيعة الظروف. 

حكمة البارزاني الأب، في ذلك الظرف التاريخي الصعب وغير الاعتيادي، وتمسكه بالكوردايتي، ورؤية نجليه، الشهيد إدريس والرئيس مسعود، وتصوراتهما، أصبحت الاستراتيجية السياسية الوطنية والقومية للثوار، إستراتيجية النضال والوقوف بوجه الصلف والارتجال الحكومي البعثي، ورفض كل أنواع الخضوع والخنوع والانصياع، فأنطلقت ثورة كولان في 26/ أيار / 1976. وللأسف الشديد أصيب البارزاني الخالد بمرض عضال، فإضطر الى السفر الى الولايات المتحدة الأمريكية لتلقي العلاج.

حينما سقط شاه إيران، وفي ظل ظروف جديدة، كان الجميع ينتظرون تنقية الأجواء المشحونة بالتوتر وإنعدام الثقة ورفع المعاناة عن كواهل الكورد وشفاء وعودة البارزاني الخالد لمواصلة مسيرة التحرر ورسم رؤية جديدة تحدد معالم المستقبل، ولكن، جاءت جهينة في الأول من آذار 1979، بالخبر المؤلم الذي ما كان منتظراً، ونقلت الإذاعات العالمية نبأً أبكت الكثيرين. وقالت : لقد رحل مصطفى البارزاني.

اليوم وبعد أربعين عاماً على رحيل البارزاني الخالد، عند الحديث عن رحيله، لايمكن قياس الخسائر والأحزان بحساب الأيام والأشهر، أو بحجم الشعور بالألم والأسى، بل بالظروف المحلية والاقليمية الصعبة والمعقدة التي أحاطت بذلك الحدث الجلل، وبالمعاني التي جاءت بها الفعاليات الميدانية للكورد في الوطن والجاليات الكوردية في الخارج، وبحرص الكوردستانيون، المتمسكون بنهجه وعقيدته على مواصلة النضال، الذين يمتلكون أوراقاً كثيرة يستطيعون أن يلعبوا بها ويحددوا المسارات والمنطلقات والأولويات والمسؤوليات الوطنية والأخلاقية. وبرؤية الرئيس مسعود بارزاني وبحرصه الشديد على التعايش والتسامح مثلما كان دائماً، وبفتحه أبواب الحوار لإستيعاب كل وجهات النظر والإتفاق، وبحثه الدؤوب بجدية عن الحلول المناسبة التي تجلب التآخي والتعايش والإستقرار والأمان.