مراجعة أحكام القضاء

القاضي اياد محسن ضمد

أتفهم كثيرا اهتمام الجمهور ووسائل الإعلام بمتابعة ما يصدر من المحاكم العراقية من أحكام وقرارات لاسيما إذا ما تعلق الأمر بجريمة تمس المصالح العليا للمجتمع لان الجمهور يحتاج الى اشباع شعوره بالعدالة ويبحث عن الاطمئنان بما يصدر من القضاء من أحكام بانها عادلة والمحاكم باعتبارها المؤسسات التي اسند اليها دور تطبيق القانون والفصل في المنازعات حالها حال أي مؤسسة لا يمكن ان تكون بعيدة عن الرقابة الرسمية والجماهيرية.

 لكن ولما تمتلكه الاحكام القضائية من خصوصية فان التشريعات في كافة البلدان جعلت مراجعتها تتم من قبل محاكم اعلى من المحكمة التي أصدرت الحكم او القرار سواء بطريق الاستئناف او التمييز او بأي طريق من طرق الطعن المرسومة قانونا لان القضاة في محاكم التمييز والاستئناف يمتلكون من الخبرة والدراية والأدوات الفكرية والقانونية ما يجعلهم اهلا لمراجعة القرارات والاحكام وإصدار القرارات بمصادقتها او نقضها وتصويب اجراءات المرافعة او المحاكمة، لكن يحدث في كثير من الاحيان ان تقوم بعض وسائل الاعلام بتناول القضايا او الاحكام القضائية بالنقد والتشكيك او ان يكون ذلك من قبل مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من المواطنين العاديين هذا التناول يؤدي الى خلق اجواء ضاغطة على عمل القضاة والمحاكم وبيئة غير ملائمة للعمل القضائي من خلال تأليب وتحريض الرأي العام على السلطة الاهم في كل دولة وهي السلطة القضائية سيما وان من يقوم بمناقشة ونقد قرارات المحاكم سواء في وسال الاعلام او مواقع التواصل الاجتماعي في اغلب الاحيان يكون ممن لا يمتلك خبرة في اصول المرافعات والمحاكمات ولم يطلع على الادلة التي قدمت في المحاكمة ومستندات الدعوى التي تكون سببا للحكم كذلك فانه في اغلب الاحيان لا يكون ممن حضر جلسات المحاكمة واستمع الى اقوال ودفوع اطرافها وتلاوة محاضرها.

 كذلك فان اغلب من يتولى عملية نقد احكام المحاكم في البرامج التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي يكون ممن لا يمتلك الأدوات القانونية التي تؤهله لمثل هذه المراجعة ولمثل ذلك النقد ما ينشأ عن ذلك بناء رأي عام لا يستند الى الحقيقة ولا الى ادلة الدعوى ومستنداتها يدفع الى التشكيك بقرارات المحاكم والمساس بهيبة القضاء واستقلاله وخلق بيئة مضغوطة اجتماعيا وإعلاميا تؤثر سلبا على عمل القضاة والمحاكم على ان ما ذكرته لا يعني عدم جواز تناول اخبار القرارات والاحكام على مستوى وسائل الإعلام، لان ذلك يعتبر حقا من حقوق النشر والصحافة وحق الجمهور بالمعرفة والدراية لكن هذا التناول الاعلامي والخبري يفترض ان يقتصر على استعراض ما صدر من المحاكم من احكام وفقرات حكمية وان لا يمتد لمناقشة هذه الأحكام والمساس بها لان مراجعة أحكام وقرارات المحاكم وكما اسلفت يجب ان يكون ذلك وفق الطرق المرسومة في قانون المرافعات المدنية وقانون اصول المحاكمات الجزائية استئنافا او تمييزا او باي طريق اخر للطعن لاسيما وان من يمتلك حق الطعن بموجب القانون يستطيع اللجوء اليه لنقض الحكم بدلا من تناول الأحكام إعلاميا ونقدها من قبل بعض الاشخاص الذين لا يمتلكون دراية وادوات بالشؤون القانونية.