الشيعة في فخ السلطة

هادي جلو مرعي

     هل وقعوا بالفعل؟ فالسياسيون والقادة النخبويون الذين سال لعابهم للحكم والنفوذ والمال تحولوا الى حيتان وقادة لمافيات كبرى مالية وسياسية وحزبية، بينما تحولت الجموع الشيعية الى مجاميع مناصرة لهذا الطرف، أو ذاك وهي تعيش في ظروف سيئة للغاية، ولاتحصل على الخدمات الحياتية الضرورية التي تضمن الكرامة، فالذين وقعوا في الفخ من النخب السياسية والدينية ربما يكونوا أحسن حالا من العوام لأن هولاء يكسبون المال والنفوذ والأتباع، بينما لم يحصل العامة على شيء. فقط هم يسمعون الشعارات الرنانة والأكاذيب والوعود الزائفة، والغريب أن الكثير من الشيعة مقتنعين بنوعيات رديئة من القادة.. بينما لم يلتفتوا الى النموذج الإيراني الراقي الذي إمتلك السلطة والدولة، وحول إيران الى قوة إقليمية ودولية يحسب لها ألف حساب، وللأسف فإن القادة الشيعة الفاشلين في العراق لم ينجحوا في تسويق النموذج الإيراني والإفادة منه، بل ساهموا الى حد بعيد بتكريس تهمة التبعية لإيران والعمالة لها، وهي قناعة عند كثير من العرب والسنة منهم بالذات، وربما يكون الشيعة بحاجة الى الإنفلات من دائرة هذه التهمة.

    خذ مثلا بعض السياسيين المصريين والإعلاميين المبرزين ونوابا في مجلس الشعب كانوا يؤكدون على خلاف رأي الغالبية المصرية، إن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان بل إن البعض من الأكاديميين وأساتذة التاريخ عقدوا ندوات موسعة لشرح كيف أن الجزيرتين سعوديتان وليستا مصريتين، وذهب الفنان الكوميديان أحمد بدير الى مستوى من التردي الى القول، أنه سيعتزل الفن إذا ثبت أن الجزيرتين مصريتان، ولاأدري سبب الحماسة المخيفة عند ممثل كوميدي لتسليم أرض بلده لبلد آخر! مصطفى بكري النائب في مجلس الشعب كان يصرخ على الفضائيات هاتوا وثيقة واحدة تثبت إن تيران وصنافير مصرية ! الإعلامي أحمد موسى حفظه الله كان قدم من على شاشة (صدى البلد) جائزة قيمتها مليون جنيه للمدافعين عن مصرية الجزيرتين إذا حكم القضاء بذلك! الطريف أن القضاء حكم بمصرية الجزيرتين في حكم نهائي لارجعة فيه حتى لو رفع الأمر الى المحكمة الدستورية العليا.

    النموذج المصري مخيف، ولكنه يدفع الى البحث في الأسباب هل هي مادية، أم حب للسعودية وغرام بها؟ أم أنها مشاعر الإيمان بالقومية العربية، وهل كان هولاء يضمنون أن تتمكن المملكة العربية السعودية من حماية الجزيرتين لو تسلمتهما، وأن تمنع إسرائيل من السيطرة عليهما بحجة حماية الممرات البحرية عبر البحر الأحمر، وللحفاظ على أمن إسرائيل، أم أن رؤية الأمير محمد بن سلمان للعام 2030 ستتحقق ويكون لمصطفى بكري وأحمد بدير وأحمد موسى فللا جميلة عليها بعد ربطها بالأراضي السعودية عبر جسر عالمي، وإقامة مشاريع سعودية خاصة بالسياحة، ولتحسين واقع الإقتصاد السعودي المعتمد على النفط فقط؟

    في العراق يتهم الشيعة بالعمالة لإيران، كما يتهم سياسيون وفنانون وووو بالعمالة للسعودية في مصر، ويتهم سياسيون ونواب وفنانون وصحفيون عراقيون من السنة بالعمالة للسعودية، فهل يجدر بالفرد أن يقترب من بلد آخر ويترك وطنه على قارعة الطريق لمجرد الولاء الطائفي، أم هو الشعور بالحاجة الى التقوي بالآخر القوي والمتنفذ؟ السلطة قد تحول الفرد الى وحش وغول يلتهم من حواليه حتى القريبين منه لكي يبقى هو قويا ومالكا لزمام الأمور، ومتمسكا بأسباب القوة والحضور والتأثير حتى لو أضطر لإفتعال الأزمات، وأجزم أن هناك من السياسيين السنة والشيعة في العراق يفتعلون تلك الأزمات وينسجونها ويقنعون بها العامة ليقتاتوا عليها، فقد تحول العراق الى مكان لصناعة الأحلام وتمتينها، ثم الشروع بتنفيذها في بلاد أخرى فهم لايملكون أدنى درجات الثقة في مستقبل بلد خربوه بالكامل وتركوا العامة من الناس يدافعون بدمائهم.