هل تفهم بغداد رسائل باريس وبرلين ولندن؟

صبحي  ساله يي

 المراسم الرسمية لاستقبال السيد نيجيرفان بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان يوم الاثنين الفائت في برلين، وقبل ذلك في باريس، وبعد أيام في لندن، كشخصية دولية مهمة تزور دولاً أخرى، تبعث رسائل واضحة للغاية لبغداد، تؤكد أن العواصم الأوروبية المهمة والمؤثرة الثلاثة على القرار الدولي، مطمئنة ومبتهجة من أن صاحب القرار القوي في كوردستان لديه قاعدته الداخلية والدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الخارجي، ولايمكن الإ أن يكون الناجح الباهر، كما توضح الموقف المبدئى والسعي الحثيث للحفاظ على حقوق الشعب الكوردستاني والرؤية التى تدعم الحرب على الارهاب والمشاركة الجادة فى مواجهته، وتبرز بشكل صريح دور الكورد، وتؤكد ضرورة دعم حكومة كوردستان الحالية والتفاهم والإتفاق معها، رغم الظروف الصعبة المحيطة بها، لأن لها دور بارز في استقرار المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص. كما تشير الى أن عواصم القرار الثلاثة، في ظل أوضاع الإقليم والعراق الراهنة، تراقب ما يجري من دون التدخل، وتبدي المشورة بين الحين والآخر، وتستقبل طرفي الأزمة في العراق، وتستطيع أن تشارك في حل أزمات المنطقة وتحمل أعباء مساندة حكومة الإقليم الواعدة التي طاردت فلول الإرهاب والمتطرفين، وأجهضت داعش، وإستقبلت ما يقارب مليوني نازح ولاجىء، كما تتفهم رغبات الكورد وتطلعاتهم بإعتبارهم عامل إستقرار وتعايش رغم تعرضهم للظلم والعدوان من قبل أنظمة مستبدة ومتوحشة.

زيارة برلين والتي سبقتها الى باريس والتي تليها الى لندن، تعزز العلاقات الكوردستانية وتطور التعاون المشترك لما فيه خير وصالح شعب كوردستان مع الشعوب الصديقة، ولها مكاسب ستضيف الكثير لكوردستان، بعد حالة وصفها البعض سهواً بالإنقطاع أو بتغير نسبي تجاه الإقليم بعد الإستفتاء الذي جرى في الخامس والعشرين من أيلول الماضي وبعد 16 اكتوبر، حينما انحازت بعض العواصم الإقليمية بشكل أعمى الى جانب بغداد، وعندما إستغلتها بغداد للتمادي في تجاهل الدستور والأعراف والقيم الديمقراطية، وبالذات عندما إستخدمت الجيش والحشد الشيعي ضد كوردستان.

إنعكاسات هذه الزيارات على الساحة السياسية، وعلى العلاقات بين أربيل وبغداد وإلى ما هنالك من تشعبات، تنبع من حقائق مفادها أن العواصم الثلاث لها تأثير إيجابي على مجرى الأحداث والتطورات والمتغيرات الميدانية التي تطرأ في العراق والمنطقة، ولها أدواراً ميدانية ومباشرة وقدرة متقدمة في صياغة الواقع العراقي والإقليمي، وإسقاط منطق التفرد في الساحة العراقية، ولها دورها في إمكانية التقريب بين وجهات النظر وصناعة التوافقات والتفاهمات الجديدة بين أربيل وبغداد تمهيداً لتثبيت الاستقرار في كوردستان والعراق، وتبعث برسائل الى بغداد تؤكد بأن الحصار القاسي المفروض على كوردستان غير مجدي، لأن الكوردستانيين يستمدون مصداقيتهم من معطيات مشروعة مختلفة، ويستطيعون الحفاظ على الأولويات بكفاءتهم السياسية وإمكاناتهم العسكرية. العمل الذي أنجزه الكورد لانتزاع تأييد مراكز القرار، لم يكن سهلاً، وتطلب الكثير من الوقت والجهد، والاستفتاء الذي أجروه ليست قنبلة موقوتة يمكن استثمارها ضدهم. لذلك على بغداد مراجعة حساباتها حيال الكورد، وأن تدرك اليوم أكثر من أي وقت سابق أن الحل الناجع، الذي يكرس الفرضيات الحقيقية والطبيعية يأتي عبر فتح قنوات الإتصال مع حكومة الإقليم لتكون لها دور ثابت وفعال ومعترف به.  وأن الصراع في العراق، والفوضى والأضطرابات والعنف والإنشغال بالأزمات الداخلية، لاتنتهي بقرار برلماني، أو مرسوم جمهوري، أو حل عسكري، أوبالاستمالة والتهديد، أو ترجيح كفة على أخرى، ولن يكون أقل خسارةً مما في السنوات التي مضت، وإن المعادلات السابقة لا تنتهي إلا بحصول الكورد على حقوقهم الدستورية.

البعض يقول أن بغداد لاتستلم الرسائل التي تتعلق بأربيل، وإذا إستلمتها لا تقرأها، وإذا قرأتها لاتفهمها، وإذا فهمتها لا تتجاوب مع ما فيها، هذه القناعة نابعة من  رفض العبادي للحوار الهادىء والعقلاني مع أربيل، وتجاوزه على الدستور وتجاهله للنداءات المحلية والإقليمية والدولية، وهذا الرفض يمثل تطوراً فارقاً في العراق، وعنصر غرابة صعب الفهم، رغم أنه بالأساس إستمرار لخطأ إستراتيجي بدأ بتولي العبادي للسلطة بالصدفة، ولأن جرد الحسابات الموضوعية يشير إلى أن قراراً بهذا الحجم، ربما يمنح جرعة دعائية للمزايدة الإعلامية والسياسية والتحريض ضد الكورد وحكومتهم، ولكنه، حتماً، يسىء للصورة الشيعية المرسومة في الذاكرة الكوردية، ويحرج الداعين الى ضرورة المحافظة على العلاقات الكوردية الشيعية، ولا يصب في مصلحة العراقيين بالأساس، ويشعل أزمة عميقة جديدة تضاف إلى الأزمات المعقدة التي يعاني منها العراق.

والبعض الآخر يقول، المسألة لاتتعلق بتوجهات العبادي وشخصيته، بقدر تعلقها بحسابات حزبه ومواقفه غير المنطقية، ومواصلة المزايدات وتصفية الحسابات بين الصقور الشيعة والتحريض ضد الكورد بعينه وتحميلهم مسؤولية فساد ودمار لا ذنب لهم فيه.