التجربة الامريكية بين العراق والمانيا

علي حسين فيلي

علي حسين فيلي/ عندما يناجي الانسان ربه يقولون ان هذه عبادة، ولكن عندما يحدث الله احد عبيده يقال إن هذا جنون.
منذ قرن اسست دولة على ارض مبتلاة دوما بالتعاسة، حتى انها لم تستطع عقب انتهاء الحرب المدمرة الثانية وما تلاها من حروب، ان تغير مسار الاخطاء والاحتجاجات التي تجاوزت الرغبة في المساواة والعدالة واكثرها كانت من اجل الخبز وليس من اجل الافكار، كانت انقلابات من اجل السلطة وليست ثورات من اجل الاعمار. ان الذين لم يقدموا اية تسهيلات او تنازلات للتحدث عن متاع الحياة لا يرون ان من حق الناس ان يعيشوا مرتاحين قليلا بذريعة المعروف والمنكر.
ان اكبر حدث بالنسبة للعراق منذ بداية الالفية الحالية كان الهجوم الامريكي الذي حصل عام 2003 والذي نجم عنه اسقاط حكومة البعث. وكان سابع هجوم عسكري لأمريكا بدأ منذ عام 1990 وانتهى في 2003. وبدأ اول هجوم تحت شعار تحرير الكويت، فالصومال وهاييتي والبوسنة وكوسوفو وافغانستان وانتهت بالعراق.
واثناء الهجوم على العراق لم تكن هناك اية دولة غربية لها تجربة في بناء الدولة-الشعب بقدر ما كانت عليه امريكا.
وتعود اول تجربة ناجحة لها في هذا الاطار الى المانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. كبلد يضم قومية واحدة ومن المنظار الاقتصادي كان متهيئا لإعادة الترميم والاعمار. كانت فرصة وتجربة ذهبية انتهت بتنفيذ خطة ناجحة. وتمت اعادة النجاح نفسه في كل من اليابان وكوريا الجنوبية.
وبعيدا عن الحديث عن مصير البلدان الأخرى، وبعد سقوط صدام، تعرضت تجربة صناعة الشعب –الدولة الامريكية الى الفشل بشكل واضح في العراق. والاسباب ليست قليلة ولكن اوضحها للعيان، هي انه لا الشعب العراقي يشبه الشعب الالماني ولا المشكلات الاجتماعية والقومية والمذهبية والتاريخية والداخلية لديه مشابهة لما هو الوضع في المانيا ايضا. ولم يصبح العراق المانيا الشرق ولكنه فقد ايضا الامان الذي كان موجودا في العهد الدكتاتوري. بمعنى ان امريكا انقذت الشعب من سيطرة نظام دكتاتوري ولكنها لم تستطع الحفاظ على الامن النسبي الذي فرضه النظام السابق بقوة النار والحديد. والان العراق لا يعيش حالة عدم الاستقرار الداخلي فقط بل ان مصيره المجهول يشكل تهديدا على المنطقة ومستقبل الشرق الاوسط بأكمله. لقد صرفت امريكا مئات مليارات الدولارات من دون ان تحقق حتى علاقة طيبة بين السنة والشيعة والكورد والعرب او حكومة ملتزمة بأسس الديمقراطية والفدرالية.
العراق ليس جمهورية اسلامية بشكل رسمي كما حصل ذلك عام 1947 في الباكستان التي اطلقت على نفسها الاسلامية وبعدها في عام 1960 في موريتانيا وفي نهاية السبعينيات في ايران. ولكن القوانين العراقية وضعت وفقا للشريعة الاسلامية ولازالت كلمة الله اكبر مكتوبة على علمه، وواضح بشكل جلي ان البديل القوي للأجندة والفكر الامريكي لعراق ما بعد البعث بعيدا عن المشكلات القومية، هو النفوذ الاسلامي بجبهتيه الشيعية والسنية.
لقد تعهد الاسلاميون ان يحولوا هذا البلد الى جنة على الارض، ولكن الذي نشاهده هي جهنم. فكان ثمن المكتسبات والاوضاع هو فقط غفلة المواطنين عما يخبأه لهم مستقبلهم.
بواضح القول، ان مشكلات هذا البلد ليست وليدة الماضي فقط. فالذين يبحثون في الاحداث يرون ان كل الاتفاقيات السياسية تبرم خلف الابواب المغلقة ولكن جميع الجرائم تقترف في وضح النهار.
ان جيش امريكا والحلفاء وبعيدا عن تسميته بجيش الاحتلال لم يرتكب معشار ما ارتكبه العراقيون انفسهم من الاعتداءات والجرائم ضد عرض وحرمة هذا الشعب. فقد تسبب المسلم بتشريد المسلم وفقدان مصيره وتدمير منزله وليس الجيش الاجنبي. في السنوات الماضية، واثناء المعارك والحروب، وقعت فتيات ونساء هذا البلد تحت تهديد الجار ونظراء الدين والقومية ومواطني البلد نفسه وليس الاجنبي، والحكومة في مقابل هكذا تجاوزات معروفة بسكوتها المؤلم، وقليلا ما تتحدث عن مصير الاطفال الابرياء المولودين نتيجة تلك التجاوزات. في البلدان الاخرى، يعتبر الكذب جريمة كبيرة ولكن الاعتراف تحت واقع التعذيب باطل. في العراق الكذب خطيئة ولكنه ليس جرما. ومن الممكن ان يعترف البريء بجرم لم يقترفه تحت طائلة التعذيب. في معظم دول العالم يعد التهديد جرما، اما في العراق فيعد التهديد مبعثا للتفاخر.
التنبؤ بالمستقبل امر غير ممكن، ولكن الوضع الحالي هكذا؛ من اجل منع تدهور السمعة اصيب المجتمع العراقي بوهم تبرير جرائمه! تجاه أي اصلاح، فان وارثي الماضي اصبحوا معارضة وفي قبالة اخطائهم بالأمس اصبحوا مشتكي اليوم. وبأداة الضغط في هذه الدنيا، ذريعة الشفاعة في الاخرة، ينتقمون لخيباتهم. من الطبيعي، فان تهديد هذا الجيل وحتى مستقبل هذه البلاد لن ينتهي.