على عتبة عام الإستقلال

صبحي  ساله يي

  في مثل هذه الايام من كل عام، ننقسم، كما نحن منقسمين على أسس عدة، الى متحدثين عن العام الماضي ومتحدثين عن القادم، المتحدثون عن العام الماضي ينقسمون أيضأ، بين من يتحدث عن الأيام الصعبة والأليمة والخروقات الأمنية الخطيرة والخلافات والاخفاقات الاقتصادية والازمات السياسية التي تفاقمت والتجاوزات التي حصلت على حقوق الانسان وعن داعش وجرائمه الجديدة، وعن الفقر والبطالة والمصائب وحالة الغضب والانهيار والضياع والارباك والانقسام والصراع الذي وصل الى حد التصادم المباشر بين الاخوة، وفي أحاديثهم المليئة بالجهل والهراء يسدون بوجهنا كل المنافذ وكأننا نعيش في نهاية الدنيا. وبين قسم يتحدثون بنباهاتهم الذهنية عن النهوض والوئام والاصلاحات والنجاحات والمكتسبات والتصالح والإنتصارات التي تحققت، فيصورون الوضع وكأننا نعيش في كنف المدينة الفاضلة. بعضهم يذكر إيجابيات العام الماضي، ويحاول التذاكي في منع طرح علامات الاستفهام الكثيرة والمثيرة للسخرية وبطرق ملتوية، وبعضهم لايقبل بمناقشة الهواجس الشرعية والخسائر الميدانية التي تصل في الكثير من الحالات الى مرتبة الهزائم المجانية، وبمسوغاتهم وبأساليب وتبريرات صحيحة يريدون حسم النقاشات، وطي صفحة التفكير السلبي وشطب الحسابات الخاطئة التي تتكرر كل عام، ويريدون أن نتعلم من سياسة الإكثار من الخصوم.
أما المتحدثين عن العام القادم فأنهم أيضاً ينقسمون بين أناس يرون المشهد السياسي والوضع الاقتصادي والاجتماعي مغبراً وغائماً بل وعاتماً وقاتماً، ويربطون بين أجواء الفشل وبروز التشدد، وجعل المنطقة برمتها ساحة للصراعات الشوفينية والطائفية والاقليمية والدولية، ويرون الدنيا وكأنها على كف عفريت. وبعضهم يستعرض عضلاته ويتهم ويشتم كل من يخالفه ويتباهى باستدعاء الخلافات والعداوات التاريخية وينفخ في الثآرات الطائفية التي يندى لها جبين الانسانية، ومن خلال سطورعدة يمكن أن نتخيل حجم العنصرية المتجذرة في وعيه السياسي حيال الاخرين.
وبين هؤلاء وهؤلاء، هناك من يتحدث عن العام الماضي بإعتدال، يتحدث عن السلبيات والايجابيات، ويتمنى ولادة أوضاع سياسية جديدة، في العام القادم، أوضاع تنتشل البلاد من أزماته، ويقدم وصفة للنجاح الاداري والاقتصادي والأمني، يبني فيه الثقة بأنفسنا وبالذين يشاركوننا السراء والضراء، لكي نتجاوزالفشل.
وبما اننا نعيش في بلد ليس بالإمكان عودته الى ما كان عليه، وليس بإستطاعة أحد ان يحكمه بالحديد والنار،  ولايوجد فيه حزب سياسي أو قائد سياسي يعترف بالأخطاء المرتكبة ضدنا طوال ما يقارب القرن، وبما اننا ذقنا في هذا البلد كل أشكال وأصناف الويلات من جراء الشراكة المفروضة، وبما أن شركائنا لم يستفيدوا من كل التجارب الكثيرة والمريرة ولم يأخذوا منها عبرة مفيدة في التعامل العادل معنا، ويكررون الأخطاء السابقة ويضيفون عليها هفوات رفع  الشعارات العدائية والاستفزازية الخرقاء المناهضة لتطلعاتنا المشروعة، ولكي يكون العام الجديد، عاماً للإستقلال يتحتم علينا أن نصفي حساباتنا مع أنفسنا، أولاً، ومع الآخرين، تالياً،  لكي يكون عاماً مختلفاً مليئاً بالتفاؤل والعزيمة، تتهىء فيها الأجواء الداخلية اللازمة لإتخاذ قرار الاستقلال المدعوم بقوة الجماهير الكوردستانية، والتباحث بشأن هذه المسألة بشكل هادف مع كل الذين يهمهم الأمر في الداخل أو المحيط الإقليمي والتأكيد على أن الاستقلال لا يهدد مصالحهم وإنما يعني المحافظة على حسن الجوار والتصالح والتسامح ورعاية المصالح المتبادلة.