دافوس 2019 مخيباً للآمال

د.رائد الهاشمي

في كل عام تتجه أنظار العالم الى قرية دافوس السويسرية وتتحول هذه القرية الصغيرة ولمدة خمسة أيام الى داينمو سياسي واقتصادي يرسم خارطة طريق الاقتصاد العالمي  وساحة هامة ومفضلة لقادة العالم للكشف عن سياساتهم الدولية والمحلية وللقاء نظرائهم بشكل مباشر وعقد الصفقات المليارية مع كبرى شركات العالم, وعادة مايحضر المؤتمر معظم زعماء العالم وخاصة الدول الكبيرة وكبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات العملاقة وكذلك محافظي البنوك المركزية في الدول الكبرى وفي كل عام يترقب العالم كله نتائج هذا التجمع العالمي الكبير وماسيسفر عنه من قرارات وتوجهات عالمية وماستطرح من حلول لأهم المشاكل الاقتصادية العالمية, وسبق انعقاد مؤتمر هذا العام اهتمام عالمي أكبر من الأعوام السابقة بسبب التغيرات السياسية الكبيرة والمشاكل الاقتصادية الكبيرة التي تواجه العالم.

شعار بعيد عن الواقع:  

جاء شعار المؤتمر هذا العام تحت عنوان (تشكيل العالم لمرحلة ما بعد الازمة) ولكن الشعار كان بعيداً عن الواقع لأن المؤتمر لم يتوصل الى أية حلول وانما مجرد نقاشات للمشاكل الاقتصادية والدوران حولها دون الخروج بنتيجة وحلول فعّالة, فقد ناقش المشاركون قضايا عديدة أهمها قضية تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني وازمة النظام الرأسمالي وتأثير الازمة المالية العالمية على الاقتصاد العالمي ومخاطر تغير المناخ هذا العام ووضع البنوك المركزية السيء في مواجهة الركود، إضافة إلى التحديات التي تطرحها التغيرات التكنولوجية.

ألصين هي الأبرز في المؤتمر:

كانت مشاركة بكين في فعاليات دافوس هي الأبرز هذا العام، بفضل تقاطع عوامل عديدة منها تأثير تباطؤ نموها على الأداء الاقتصادي العالمي ومواجهتها التجارية المستمرة مع أكبر اقتصاد في العالم والانتقادات الغربية المحيطة بعملاقي الاتصالات (هواوي) و(زي تي إي)، وفيما حمل نائب الرئيس الصيني وانغ ووفده الكبير رسالة تفاؤل وتحدٍّ للتوقعات الإقتصادية المتشائمة وجددت ثقتها في استمرار نموها ونمو العالم، شريطة الحفاظ على تجارة عالمية حرة، ولم يتردد مشاركون في انتقاد سياسات الصين المتعلقة بالملكية الفكرية ومزاعم التجسس عبر شركات الاتصال، وعمليات التجسس الإلكتروني التي اتهم الغرب بكين بالوقوف وراءها، وكان آخر المنتقدين الملياردير جورج سوروس، الذي هاجم الرئيس الصيني شي جينبينغ، معتبرًا إياه "أخطر عدو" للمجتمعات الحرة والديمقراطية، وأوضح سوروس في خطابه التقليدي على هامش أعمال "دافوس"، أن الصين ليسَتْ النظام المستبد الوحيد في العالم، لكنها بلا شك الأغنى والأقوى والأكثر تطورًا في مجال الذكاء الاصطناعي، مضيفًا، "هذا يجعل شي جينبينغ أخطر عدو للذين يؤمنون بالمجتمعات الحرة,فيما بعث نائب الرئيس الصيني رسالة تطمينية الى العالم حيث وضح إن اقتصاد بلاده لا يدخل نهاية دورته التوسعية، وأنه سيواصل تحقيق نمو مستدام على الرغم من الشكوك العالمية، ووجه وانغ رسالة مبطنة إلى واشنطن بتأكيده على الترابط العضوي للإقتصادين الصيني والأميركي، مشيراً إلى أن أي مواجهة بين البلدين ستلحق ضرراً بمصالح الجانبين.

إنقسامات أوروبية:

انعكس واقع التباين الكبير في السياسات الأوروبية داخل أروقة المؤتمر ، لا سيما فيما يتعلق بمستقبل الاتحاد الأوروبي والتعاون الدولي واتفاقيات التجارة الحرة. ففي الوقت الذي دافعت فيه المستشارة الألمانية ميركل عن التعددية والإصلاح لمواجهة تفاقم الإختلالات العالمية، هاجم رئيس الوزراء الإيطالي، جوسبي كونتيه، المشروع الأوروبي واليوروحيث ذكر بأنهما الذين تسببا في تنامي الدين العام وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتحدث كونتي عن حاجة ملحة إلى رؤية جديدة تركز على الإنسان والعائلة والمجتمع.

كما فرضت قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي نفسها بقوة على فعاليات المنتدى بالرغم من غياب رئيسة الوزراء البريطانية، وقوبلت جهود أعضاء الوفد، الذي ضم وزير الخزانة ووزيرالتجارة الدولية ، لطمأنة المستثمرين الدوليين بكثير من التشكيك وعدم المبالاة.

مشاركة عربية غير مؤثرة:

خصص المنتدى الاقتصادي العالمي عدداً من الجلسات حول الوضع العربي وآفاقه الأمنية والاقتصادية، وأجمع المشاركون فيها على أن الإستقرار السياسي هو مفتاح  التنمية والازدهار,وبحثت الجلسات حول المستقبل الأمني للشرق الأوسط سبل إرساء الإستقرار السياسي في المنطقة، وحظي الوضع السوري بإهتمام خاص في هذا السياق، واعتبر وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أنه ينبغي التعامل مع الأزمة السورية عبر مقاربات واقعية تقدم مصلحة سوريا والسوريين على صراع الأجندات الدولية والإقليمية, وبرزت السعودية كنموذج إصلاحي مهم في المنطقة ويجب أن يقتدى به حيث أنه يرسم الطريق لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى المنطقة، حيث أكدت الرياض التزامها بالمضي في برنامج الإصلاحات الإجتماعية والإقتصادية والمالية تماشياً مع رؤية عام 2023.

نتائج مخيبة للآمال :

دورة دافوس هذا العام جاءت بنكهة مختلفة عن الأعوام السابقة حيث سادت أروقته أجواء من التوتر السائد في مجتمع الأعمال خاصة بعد سلسلة التقلبات السياسية المتواصلة منذ أشهر، ولم ينجح حضور نجوم مجتمعات المال والأعمال الذين تجاوز عددهم 2000 شخصية وندواتهم الكثيرة في إخفاء أجواء الفشل والضعف للمؤتمر والذي يرى الكثير من المتابعين ان الغياب الصارخ لأبرز قادة العالم هو من كان وراء ذلك,وكان من أهم المقاطعين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان ضيف الشرف وتبعه كل من الرئيس الصيني شي جين بينغ، والفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي,بينما حضر من قادة العالم رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، والرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو، والمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل.

جاءت نتائج دافوس 2019 مخيبة للآمال حيث لم يخرج بأية نتائج ملموسة ولاقرارات مهمة حيث اقتصر على بعض التوصيات مثل (الدعوة الى اعادة بناء النظام الاقتصادي العالمي) و(عن تأسيس مبادرة اعادة الهيكلة العالمية الهادفة الى اصلاح النظام المصرفي العالمي وترشيد نشاطات قطاع الاعمال والتجارة عموما) ومناقشة مقترح تخفيض أيام العمل الى أربعة أيام بدلاً من خمسة أيام حيث طرحت آراء عديدة بأن خفض ساعات العمل أسبوعيا، يجعل الموظفين أكثر إنتاجا وأكثر تركيزاً في العمل والنتائج ستكون ايجابية للطرفين أرباب العمل والعاملين ,حيث تظهر أرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن الدول التي لديها ثقافة العمل لساعات طويلة غالبا ما تسجل نتائج ضعيفة في الناتج المحلي الإجمالي لكل ساعة عمل.

ومن أهم التجارب الناجحة في العالم في هذا الشأن هي التجربة النيوزلندية التي تم تطبيقها على احدى المؤسسات الكبيرة وأثبتت نجاحها ومن المحتمل أن تطبق هذه التجربة على كل المؤسسات في البلاد.