لا تطلب الدبس من النمس؟

كفاح محمود

للوهلة الأولى وأنا استمع لهذا المثل العراقي الجميل ظننته يقصد ذلك الحيوان الذي يرعب الأفاعي ويصطادها بسرعة مذهلة، لكنني أدركت فيما بعد إن الدبس والنمس مفردتان شكٌلهما الدارج المحلي للتعبير عن الرجاء الذي ليس في محله، وقد تداولتهما الأجيال في توصيف أولئك الذين لا يرتجى منهم خيرا، والدبس هو عصير التمر المعروف، أما النمس فهو درجة من درجات النظافة البائسة التي تقع بين النظيف وبين القذر أو الوسخ، وليس الحيوان المعروف كثيرا في افريقيا وجنوب شرق آسيا، والنماسة تعني الوساخة أي عدم النظافة تحديدا، حيث يصعب كثيرا أن تطلب شيئا لذيذا أو نظيفا من شخص غير نظيف!

 

    بهذه المقدمة أردت أن ادخل إلى موضوعين متشابهين رغم البون الشاسع بينهما، الأول يتعلق باعمار المدن المخربة اقصد المحررة من داعش، والتي قلب التحرير عاليها على ناصيها، فكانت مدن من الذاكرة ليس إلا، والثاني هو المستنقع الذي صنعته بغداد بين كوردستان والعراق، وكيفية ردمه وإعادة فتح الطرق بينهما، ففي الأول يطلب سكان المدن المخربة اعمار مدنهم وبقية البلدات من الحكومة الاتحادية التي تغص في بحيرة من قذارات الفساد واللصوصية، حتى حولت كل مدن البلاد إلى خرائب وان تكن لم يمسسها داعش، فليست البصرة بأحسن حال من الفلوجة، أو المحاويل أفضل من سنجار، بفضل مكرمات وبركات برلمان الفساد وحكومة الأكاذيب والادعاءات، أصبحت البلاد من افسد وافشل البلدان، ويأتي بعد كل ذلك الموصلي أو الانباري أو السنجاري ليطلب منها إسعافه واعمار مدنه، والانكى في هذه التراجيديا إن مجاميع من الفاسدين والمغرر بهم ومثلهم أو أكثر بكثير أولئك الطامحين في السحت الحرام من الامتيازات وصفقات الفساد من كعكات برلمان المهازل، حيث التبشير بأن الدبس بين أصابعهم وهم الذاهبين إلى ظلال قبة البرلمان والملوثين بأطماع الثراء الفاحش وكعكات إحدى نائبات الدورات الثلاث!

 

    تلك هي والله رجوة الدبس من النمس!

 

    أما الثانية فهي ما يحصل الآن بين العراق وكوردستان فهي بحق مهزلة ومسرحية مثيرة للأشجان والسخرية معا، حتى توهم البعض إن الطاقم الحاكم الحالي في العراق، قادر على حل تلك الإشكاليات وهو صانعها منذ سطى على كراسي السلطة باستخدام سلالم صناديق الديمقراطية العرجاء والصفقات الصفيقة وفتاوى أئمة السياسة والدين، إشكاليات تم تجميعها في دوائر صناعة الأزمات وتعقيد المشكلات، لتحقيق الأهداف المنشودة في إقامة نظام ايديولجي ذي خلفية دينية مذهبية، وإلغاء ما جاء في الدستور، بعد فرض نظام الأغلبية الذي سيتيح لهم إجراء تعديلات تفصله على مقاساتهم.

 

    إن المشهد القادم لن يكون أفضل مما مضى إن لم يكن أسوء، حيث التوجه لفرض دكتاتورية الأغلبية بشرعية برلمانية تسيطر عليها قوى الحشد الشعبي التي أدغمت في العملية السياسية والبرلمانية خلافا للدستور كونها مؤسسة عسكرية مذهبية مؤدلجة، مما سيقصي تماما بقية المكونات التي تختلف معها فكرا وعقيدة وانتماءا، وبذلك تعود حليمة إلى عادتها القديمة، ولم يعد هناك دبسا يطلب ولا نمسا يلاحق الأفاعي!