الجيش العراقي.. سمات وسمات

عبدالله  جعفر كوفلي

في الذكرى (96) لتأسيسه حيث يحتفل العراقيون في السادس من كانون الثاني من كل عام بعيد تأسيس الجيش العراقي منذ عام 1921 هذا الجيش الذي كان النواة الاولى لبناء الدولة العراقية وفق النظام الملكي بانتداب بريطاني بعد نهاية الحرب العالمية الاولى و انهيار و تفكك الدولة العثمانية (الرجل المريض) وان اول وزارة للدفاع كانت برئاسة (جعفر العسكري) و تأسس اول فوج بأسم (فوج موسى الكاظم) من ضباط عراقيين سابقين كانوا يعملون في الجيش العثماني كتيبة الخيالة و فيما بعد تم استحداث التشكيلات الاخرى من القوات البرية و الجوية و البحرية  و غيرها و كان يعتمد على النظام التطوعي الى سنة 1963 و بعدها تم العمل بالنظام الاجبارى للخدمة العسكرية الى سنة 2003 حيث تم حله من قبل رئيس سلطة الائتلاف (بول بريمر) وصل عدد العسكر في العراق الى ذروته خلال الحرب العراقية الايرانية و كان ما يقارب مليون جندي و احتل العراق المرتبة الرابعة عالمياً عام 1990 من حيث قوة الجيش و خاض الجيش العراقي حروب خارجية سواء لنصرة الدول العربية او لغزوها منها عام 1948 و 1973 في فلسطين و 1990 في الكويت . و لكن الملفت للنظر بان هذه المؤسسة (المنظومة الدفاعية) قد اتسمت بسمات عديدة خلال العقود الماضية و باتت هذه السمات تحدد السياسة العامة او الاستراتيجية لهذه المنظومة و لا تستطيع ان تحيد عنها بل و يزداد التمسك بها يوماً بعد آخر و من هذه السمات :-
النزعة الانقلابية لدى قادة الجيش , من المسلم به بان العراق ربما تأتي في المرتبة الاولى من حيث عدد الانقلابات و سرعة الاحداث مقارنة بالدول المجاورة او الاقليمية منذ انقلاب بكر صدفي عام 1936 الى يومنا هذا مروراً بانقلابات 1941 و 1958 و 1963 و 1968 ... الخ و ان القراءة السريعة لهذه الانقلابات يظهر بجلاء النزعة الانقلابية لدى قادة الجيش العراقي فلا يكاد يكون هناك انقلاباً واحداً سواء كتب لها النجاح او الفشل إلا ويكون قائدها ومخططها و منفذوها قائداً عسكرياً و مجموعة من العسكر لأن العراق كانت دولة عسكرتارية منذ تأسيسها وكانوا مخرجين بارعين لتغير المشهد السياسي العراقي و كل دساتيرها و قوانينها تجعل من الجيش القوة الاوحد و المقرر لسياستها و تجعل منها قلعة حصينة .
اداة بيد السلطة السياسية : من المعمول به بأن مهمة الدفاع عن الحدود الخارجية لأية دولة او كيان سياسي يكون من مهمة الجيش اما الجبهة الداخلية فأنه من مسؤولية الاجهزة الامنية الداخلية إلا في حالات استثنائية يتم الاستعانة بالجيش لأعادة الحياة الى سابق عهدها و لكن الجيش العراقي خلال الفترة السابقة اثبتت العكس و انها كانت اداة بيد السلطة السياسية لتنفيذ مآربها و دحر خصومها على المستوى الداخلي و بذلك فقد الجيش صفة جيش الدولة وتحولت الى جيش للنظام الحاكم أي انها افقدت حياديتها في التعامل مع المواطنين و انها في مراحل عديدة كانت مصدر خوف و ذعر و تسلط على رقابهم و واجه مطاليب الشعب لحقوقه بالحديد و النار تحت مسميات الحركات المتمردة و العصاة و المخربين سواء في الجنوب او في كوردستان حيث كان صور الثكنات المرعبة وصوت المدافع والقنابل و سلاسل الدبابات و دخان الطائرات في السماء مشاهد يومية رسخت في اعماقه وفقد صفته المعتادة بكونه رمز الامان و الاطمئنان و اصبح الرجل المرعب وقمع الانتفاضات الشعبية و عمليات الانفال السيئة الصيت امثله حية على ماذكرناه .
التأثير الخارجي على الجيش مما لاشك فيه ان القاصي و الداني من الشعب يعرف بان الانقلابات العراقية لم تكن تشهد النور اذا لم يكن بمباركة و مساعدة جهات خارجية و خاصة (بريطانيا و امريكا) و إلا كان مصيرها الفشل و الملاحقة و تقبيل حبال المشانق او القبول بالعيش في المنفى بكل معاناتها اذاً التأثير الخارجي على مجريات الاحداث و خاصة الانقلابات (بكونها انقلابات عسكرية بحته) يظهر جلياً و حتى يومنا هذا لا يزال التأثير مستمراً مع الاختلاف في الدول من امريكا تارة و ايران تارة اخرى و تركيا و دول الخليج مرات و مرات .
وجود القوات المرادفة مثلما ذكرنا سابقاً بان الانقلابات العراقية ولدت من رحم الجيش و ان كل منهم كان ينتظر الفرصة السانحة لضرب اقرب اصحابه و يبعده عن كرسي السلطة سواء بالقتل او الترك عنوة تاركاً مسيرتهما المشتركة في النضال جانباً و ضارباً كل قيم و مبادئ الصداقة و التضحية عرض الحائط هذا مما يدفع كل من في السلطة ان يفكر بتأسيس قوات مرادفة للجيش تفوقه في القوة و الدعم و الصلاحيات يكون عند رهن اشارة السلطة لتحقيق اهدافها و دحر الخصوم و بسط النفوذ و تعددت مسميات هذه القوات فعلى سبيل المثال لا الحصر في العهد الجمهوري الاول كان (المقام الشعبي) قوة استعان بها قيادة ثورة 14 تموز 1958  و بعد انقلاب 1968 كان الجيش الشعبي و الحرس الجمهوري و جيش القدس و فيدائى صدام قوات مرادفة مرتبطة برئاسة الجمهورية و لا تمت الى وزارة الدفاع بل كان اعلى منها و اخيراً الحشد الشعبي و الوطني و العشائري تسميات اطلقت على مجموعات مسلحة تأسست لتحقيق اهداف مكون معين من الشعب العراقي و اداة لتصفية الحسابات السابقة مع مكون أخر و اخيراً شرعت مجلس النواب العراقي اطاراً قانونياً لها و ان وجود هذه القوات تعني عدم الثقة بقدرات الجيش و التشكيك بولاءه لمن يتمسك بالسلطة في بغداد و يضعف ولاءه للعراق .
هذه السمات هي الابرز مع وجود سمات اخرى يرسم اللوحة الفنية العسكرية للعراق في مراحله المتعددة واثبتت الاحداث والشواهد التاريخية عدم حيادية الجيش (مع تقديرى للمخلصين منهم) ولكن هذا يشكل الاطار العام للموضوع.