استقالات عبدالمهدي بين الضغط و الجدية

عبدالله  جعفر كوفلي

ان التاريخ السياسي للعراق لم يشهد تقديم الاستقالات من قبل مسؤول حكومي او حتى حزبي إلا القليل و النادر فلم يكن هذا الاسلوب معمولاً به , و هذا يدل على حب العراقي المستميت للمنصب و الكرسي الذي طالما يحلم به و يعمل له و يتفق مع الاخرين و يقصى الاخر من أجلها ،و ما ان يصل اليها إلا و تبدأ الموازين بالاختلاف و المبادئ بالاضمحلال و المصالح بالاحلال .

ان تقديم الاستقالة اسلوب عصري و اشارة على النضج الفكري الراقي و اعتراف ضمني بان ما برمج له صعب  المنال و التحقيق او ربما تأتي الاستقالة بفشل في تقديم الخدمات او وجود ثغرة لا يمكن اصلاحها او خلل , و لكن كثيراً ما يفسر على انه دليل الفشل و عدم الصمود امام الضغوط و مقاومتها بل تسليم لارادة الغير و تحقيق لاهدافه .

السيد عادل عبدالمهدي رئيس الوزراء العراقي و في الايام الاولى من تكليفه بتشكيل الوزارة لوّح بان استقالته مكتوبة يمكن اشهارها في أي وقت و ان دل على شيئ فانه يدل على خبرته الطويلة و تجربته في الحكم و معرفته بدقائق الامور و تفاصيلها و جولاته المكوكية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار خلال سنوات نضاله الدؤوب , و ان حكم العراق ليس بالشيئ الهين , لقد كان عارفاً بما يصطدم به من عقبات في اختيار وزرائه و خاصة الدفاع و الداخلية اللتان اصبحتا مثلث برمودا عراقية بعد تحريرها في ظل الحاجة الماسة الى وجود وزارة الدفاع و داخلية قوية لما يهددها في امنها .

لقد اعتاد عبدالمهدي على الاستقالة من مناصبه فقد استقال مرتين الاولى من منصب رئيس الجمهورية و الثانية من منصب وزير النفط ، لقد كان منصبين مهمين و لكن اهميتهما لم تمنع عبدالمهدي من الاستقالة التي لم تغيير شيئاً و لم تحرك ساكناً في العملية السياسية .

التلويح بالاستقالة هذه المرة ليست كسابقتها لأن المنصب حساس و مهم و يرجع العملية السياسية الى المربع الاول و تسقط الحكومة و يتوجب على رئيس الجمهورية ترشيح شخصية اخرى ، و هذا ما يعقد المشهد السياسي العراقي فاذا كان التلويح بها من اجل تخفيف الضغوط عليه من قبل الكتل السياسية باعتبارها مصدر القوة الوحيد للسيد عبدالمهدي لاسيما انه لا يملك كتلة نيابية قوية داخل مجلس النواب العراقي فهو يجيد اللعبة السياسية وهو ذو قراءة ثاقبة لما يدور من حوله  .

و لكن السؤال المهم في الموضوع هل ان التهديد بالاستقالة يجبر الكتل السياسية الى الرضوخ لرؤية المهدي بتقديم المرشحين الاكفاء حسب ما اعلن عنه في برنامج حكومته ؟ ام ان الكتل تعمل حسب ما تراه مناسباً و استحقاقاً انتخابياً لها و تعرف بان الاستقالة لا تخرج من اطارها و ماتت قبل ولادتها .

و هل ان السيد المهدي جاد في التلويح باشهارها اذا لم تهب الريح بما يشتهيه و لم يستطيع اقناع الكتل السياسية بتقديم المرشح المناسب ؟ .

فاذا كان المهدي يرغب من الاستقالة عرفاً يعمل به الباقين من يتولى منصب معين و لم يف بما عليه فهذا ضرب من الخيال فيكون وحيداً مثلما كان وحدياً في السابق .

هذه التساؤولات و غيرها ؟؟ فان الايام القادمة كفيلة بالاجابة عنها و هذا ماستنتظره .