بغداد لا تقرأ التاريخ

علي حسين فيلي

قيل في بغداد ان الطرف الذي يحتاج الى الحوار هو الخاسر وليس من انتصر في الميدان. وفي وقت تتطلب فيه الاوضاع التفكير في حقيقة هل ان انتصار الطرفين في اربيل وبغداد يكمن في رهان المفاوضات والسلام ام في التباعد وعدم اجراء الحوار؟

بغداد ليست لها قراءة صحيحة حتى لمصالحها. ولا تدري بان كوردستان كما العراق لها مكانة ودرجة في النموذج الامني في العالم الخارجي وخصوصا في الغرب.

على الرغم من ان الكورد لا يرغبون بحصول التوتر في الاوضاع ولكنهم يعرفون بان ذلك يتطلب تغيير صيغة التفكير بل تبنى السياسات. ففي الوقت الذي تخلق الهجمة الاعلامية تصورا خاطئا لدى العراقيين بشأن كوردستان. كثيرون هم من يعتقدون بان الحرب امر خاطئ في جميع الظروف والاوضاع، ولكن ردود الافعال المستفزة التي ابدتها بغداد تجاه الكورد بعد احداث 16 تشرين الاول، تظهر غفلة الحكومة العراقية عن قراءة التاريخ وهذا ما يسرع وتيرة ابتعاد الكورد وانفصالهم عن اللعبة الجيوسياسية.

 نحن نعلم بان المشكلات الداخلية في كوردستان ومن ثم وجود التدخلات الخارجية واتساع او انكماش تلك الازمات مرتبط بمشكلات المنطقة وخارجها ايضا. ولكن حرب بغداد ضد الكورد ليست ابدية ففي اخر الامر تخرج من اطار التهديد والحرب على الرغم من ان في هذا المجال التركيز الاكبر على تلك القوى التي تسمى معارضة ولكنها لا تصر على خصوصية الحقوق القومية . والحكومة تريد عن طريقهم ان تهدئ شرارة المطالب الشعبية الكوردية او تخمدها كليا.

 لا يمكن النسيان ان اوربا في القرون الوسطى وفي عهد النازيين والشيوعيين والفاشيين شهدت ارتكاب الجرائم الايديولوجية والناس في تلك القارة يعرفون بشكل افضل بان ديمقراطية الايديولوجيا كالتي في العراق ليس لها اي معنى. ومن هذه الزاوية فان افضل مصل لهذا البلد المتعدد القوميات والاديان هي التعددية العلمانية. 

 ان الانموذج الجديد في ادارة المشروع القومي الكوردي في المنطقة يتجلى في اقليم كوردستان العراق والكانتونات في غربي سوريا؛ التي اذا جاءت الفرصة ستولد الدولة الكوردية المستقلة فيها لان الكورد لم يخسروا جميع اراضيهم لحد الان لكي لا يستطيعوا ان ينظموا انفسهم. 

 آخر حدث وقع في هذا البلد، هو ان تضحيات الاقليات هي تضحيات فوق التضحيات ويأس يزيد اليأس يأسا، فبغداد تنتهج سياسة تجاه الكورد تتجلى تذويب امكانياتهم شيئا فشيئا وتدمير ارادتهم. وكانت البداية خلق الازمات داخليا وبعدها دخلت الحكومة العراقية على الخط بشكل مباشر.

 وليس هناك ادنى شك بان الجغرافية السياسية القومية في هذه المنطقة موضع اهتمام الغرب، ولعل بغداد في هذا اللغز و هذه اللعبة مشتركة. ولهذا اذا اراد الكورد الا يتم تغيير الدستور او ارادوا استحصال شيء من الدستور فعليهم الذهاب الى بغداد.

 لقد جاء الوقت الذي على بغداد التخلص من امراض وعقد الترهيب والتخويف لا من اجل الانتخابات بل من اجل تأمين حقوق الشعب الكوردستاني. ان الحوار بين بغداد واربيل حقق ما استطاع ان يحققه فيما مضى فقط، ويجب الا يقلل من شأن مواطني الاقليم حينما يقومون بتحليل الاخطاء ويميزون بين الحسن والرديء.