رئاسة الاقليم ومستقبل نيجيرفان بارزاني/ القسم الثاني

علي حسين فيلي

علي حسين فيلي/ القسم الثاني/ ان المشكلات غير المنتهية لاقليم كوردستان ابتداء من تهديدات الارهاب وصولا الى المشكلات السياسية والبطالة والفقر والفساد لن تقف عند حد وستظل مشكلات دول الجوار وبغداد باقية كما هي. ومن الطبيعي انه بعد تعليق رئاسة الاقليم من قبل البرلمان الكوردستاني لم يحظ امر هذا المنصب الا بالقليل من التحليل فقد حظي الوضع السياسي الجديد وسياسة ما بعد ازمة رئاسة الاقليم بكل الاهتمام، ولكن بعد ترشيح السيد نيجيرفان بارزاني من المنتظر اثارة موضوع المنصب مرة اخرى.
وكما جاء في واجبات ومهام رئيس الاقليم انه يمثل الشعب على المستويين الداخلي والخارجي. ويشرف على العلاقات والتنسيق بين الاقليم وسلطات العراق الاتحادي وكذلك يُمثّل الشعب الكوردستاني في المجلس السياسي للأمن الوطني العراقي وفي المشاورات والحوارات مع الحكومة العراقية. وهو الشخص الذي بذل مساعيه لإخراج كوردستان من العزلة من خلال الجوانب الثقافية والتربوية والاقتصادية والعلاقات السياسية والدبلوماسية وحتى الاجتماعية مع العالم الخارجي.
في الوضع الخارجي كان وجود اكثر من 30 قنصلية وممثلية دولية في عاصمة الاقليم من ثمار السياسة والمساعي المستمرة التي بذلها، وحسب اعتقاده فان خرق الدستور العراقي من قبل الحكومة الاتحادية هو مصدر لكل ما يعانيه العراق من مصاعب. فهو لم يجعل خروقات الحكومة الاتحادية سببا لقطع العلاقات مع اي من دول العالم ولم يبنَ اي علاقة خارجية على اساس العداوة الداخلية.
وتشير المعلومات في الجانب الداخلي لم يسبق ان خسرت حكومة نيجيرفان بارزاني اية دعوى قانونية بين حكومته والحكومة الاتحادية في بغداد بما فيها ملف النفط والغاز! وهذا الكلام يخص برنامج عمل لسنوات عديدة وذات مساحة واسعة وهو يظهر الدور الذي يمارسه السيد نيجيرفان بارزاني في مجال السياسة والاقتصاد واوضاع الاقليم في جميع المجالات الامر وهذا هو الذي سيسهل عليه الحصول على التقييم لجدارته لتسنم منصب رئاسة اقليم كوردستان بلحاظ ان حتى خصومه يقولون: نتجاوز عنه لأنه رمز لتعايش جميع الاحزاب والاطراف ولن ننسى حسناته!
وبحسب رأي الاحزاب فانه في جميع المشكلات والصراعات السياسية الداخلية والمعارك والمواجهات المسلحة الداخلية في الاقليم كان يميل الى السعي الى الحل السلمي والحفاظ على السلام والوئام داخل البيت الكوردي اكثر من ايمانه بالحرب. والعجيب انه عند خصومه ايضا فان هذا الانسان الشرقي رمز لثقافة التسامح والسلم الوطني ويصعب عليهم تقييم برنامج عمله بشكل سلبي. وهو كرئيس لحكومة الاقليم كان دوما على استعداد للاعتذار من اي فرد من افراد المجتمع تم خرق حق من حقوقه. على سبيل المثال لا الحصر، وازاء الهجمات التي تعرضت لها مقار احزاب الجماعة الاسلامية والاتحاد الاسلامي والتغيير في اربيل في 25/ 7/ 2010 قدم اعتذاره رسميا لهذه الاحزاب بصفته رئيسا لحكومة الاقليم. ففي كوردستان مليئة بالأسلحة والاحزاب السياسية المتخاصمة ونفوذ الاضداد الخارجيين كان ثقافته التسامحية سببا في ان تنتهي الازمات السياسية من دون حصول خسائر.
من جهة ثانية، قد يكون السؤال الاهم بالنسبة لغير الكورد هو من هم الاشخاص الذين يعدون من كبار سياسيي الكورد وبإمكانهم التنافس مع بارزاني على رئاسة اقليم كوردستان؟ المرشحون لهذا السؤال ليسوا قليلين لان الثورة التاريخية للشعب الكوردي تمنح الشرعية لنضال الكثير من القادة السياسيين والقوميين ولكن داخل قادة الجيل التسعيني من القرن المنصرم وما بعده كان واحدا من الاشخاص الذين حولوا معنى الثورية من الحماسة والحرارة الى السياسة والنعومة وسخر الحكومة لخدمة جميع المكونات وخصوصا الجيل الجديد ومع التضحية التاريخية لامته التي كانت افقية حوّل مكتسباته الى العمودية والعصرنة، هو نيجيرفان بارزاني الذي مارس دورا رئيسا من اجل اعادة اعمار كوردستان وليس تدميرها.
نادرا ما حدث؛ حتى في بلاد مستقلة؛ في العقد الثاني من القرن الحالي ان تمر بلاد بالازمات المتتالية وخلقت ضدها المشكلات كما حصل لاقليم كوردستان. وفي الوقت الذي تشكل اضرار ازمة الثقة اكثر من اضرار الكثير من الحروب المحدودة، فان الحكومة التي قادها نيجيرفان بارزاني ركزت في مرتكز الصراعات وكل مابقي لها من فرصة للعمل والنمو هي الا تتحول الازمات الى كوارث، في اي من تلك الازمات ما يكفي لانهاء الحياة السياسية لاية حكومة ورئيسها، ولكن اليوم ايضا فان حكومة ما بعد ازمات الاقليم والتي يقودها بارزاني لها استقرار وهو يؤكد بكل ثقة لصحيفة (الشرق الاوسط): نعتقد ان لا احد يستطيع ان يدمر تجربتنا ومكتسباتنا، لقد اجتزنا المرحلة الصعبة والطويلة، ولن نعود الى الوراء، لقد انتهى الزمن الذي نتراجع فيه عن المكتسبات الكبيرة.
في بداية مرحلة الاستقلال الاقتصادي وبدء تصدير النفط انخفض سعره، وقطعت الحكومة المركزية ميزانية الاقليم بصورة تامة وبدأ "داعش" هجومه على الاقليم بكل ما اوتي من قوة وامتدت امواج النازحين الى كوردستان وحولت ازمة انقطاع الرواتب حياة الموظفين الى صعوبات بالغة وبتوقف المشاريع الحكومية وقلة حركة القطاع الخاص تفشت البطالة والازمة الاقتصادية واتسعت النواقص وقامت قوى السياسية الحليفة المشاركة في الحكومة بالانسحاب منها شيئا فشيئا وبعد الاستفتاء الشرعي تم غلق الحدود بوجه اقليم كوردستان وفرض الحصار الجوي والبري عليه وقامت بغداد تحت تهديد قوة السلاح باحتلال المناطق المستقطعة وتحت تهديد المؤامرات الاقليمية والقوى الميليشياوية ظهر تهديد الانهيار التام لكيان حكومة الاقليم.
فخلال شهر واحد فقط اي شهر كانون الثاني 2017 وبالتزامن مع الحصار والضغوطات التي تجاوزت الحدود استطاع من خلال عدد من الزيارات واللقاءات المباشرة اجراء حوارات مصيرية مع عدد من قيادات الدول الكبرى مثل فرنسا والمانيا وبريطانيا وحتى الفاتيكان وجعلها تدخل على خط الازمة وتكون لها كلمتها. واستطاع ان يذّكر بلدان المنطقة ومنها تركيا وايران بالنقاط المشتركة ومنها المصالح والامن المرتبط بالسلم والامان في اقليم كوردستان.
فبمحصلة الشهر الواحد ابلغ رئيس حكومة الاقليم العالم الخارجي عن المخاطر الكبيرة وحقيقة الاحداث وفقدان التوازن في المنطقة واجبرهم على تغيير سياساتهم ازاء سكان اقليم كوردستان.
ومن هذا المنظار فان الحديث عن نيجيرفان بارزاني هو حديث عن اجتياز كوردستان لتلك المراحل الخطيرة المشار اليها واعاد الى الاذهان برامج عمله وتصرفاته واقواله كرمز للتعايش المشترك وثقافة التسامح وترى تجدد كوردستان من خلال تجدد رئيسها وقياداتها ويرى مناصروه ان احتياجات المرحلة الحالية في اقليم كوردستان وامكانيات نيجيرفان بارزاني شيئان متممان لبعضهما.

وللحديث بقية..