مقالات
الرئیس مسعود بارزاني بین خلق الوسط الجامع و صناعة الحیاة المشتركة

الرئیس مسعود بارزاني بین خلق الوسط الجامع و صناعة الحیاة المشتركة


إن أزمة تشکیل الحکومة الراهنة في العراق باتت الشغل الشاغل للناس في المرکز والإقلیم من غیر إستثناء، إذ هي تخلط الأوراق و تخربط الحسابات، بقدر ما تمس المصالح والمصائر في المنطقة.

لا مراء بأن الزیارة الأخیرة للرئیس مسعود بارزاني ، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، علی ما شاع في الأعلام المرئي والمسموع والمقروء، بعد أن أستقبل بحفاوة من قبل رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي و رئیس تحالف الفتح هادي العامري و لقاءه برئيس الوزراء العراقي الجدید عادل عبد المهدي، وعدداً من القادة السياسيين في بغداد والنجف، ينفتح علی خيارين كبيرين لكل منهما ثمنه و ثمراته: الخیار الأول هو بناء قاعدة متینة للحوار کحل للمستقبل بدل الحروب و الخیار الثاني هو تشکیل مرجعیة دیمقراطیة بعیدة عن التفرد بفتح آفاق أمام العمل الحضاري والتنمية البشرية في العراق الفدرالي، تكون أقل كلفةً و وطأةً أو أقل تسلطاً و عنفاً، بل أقل عبثاً و جنوناً. فالسلام هو الأمل و مستقبل الإقلیم والمرکز یکمن في الحوار لا الحروب.

الرئیس مسعود بارزاني، الذي وصف بمهندس كبیر بالسياسة على مستوى المنطقة والعالم، قائد من هذا الزمن یؤمن بالحوار والسلام و یعرف جیداً بأن هذا الزمن هو زمن الحوار والتلاقي و الدعوة للقاء عوضاً عن الإفتراق، لذا نراه یؤكد في جمیع لقاءاته السیاسیة مع القیادات العراقیة المختلفة علی أهمیة العمل المشترك بین جمیع الأطراف من أجل بناء الشراكة و معالجة وإنهاء کافة مشكلات العراق المتراکمة السیاسیة منها والأمنیة والإقتصادیة و الدستوریة و قضایا عالقة بین الإقلیم و بغداد خصوصاً مسألة إدارة المناطق المتنازع عليها، وتحديداً كركوك و یصرّ على ضرورة تواجد النوايا الحسنة لبداية جديدة لعملية سياسية تخدم الجمیع.  

الحوار هو ثمرة إعتراف متبادل خارج أي نوع من أنواع النفي و العمل علی الوحدة یحتاج بلا شك الی الإقرار بالواقع، لمعرفة إدارة الإختلاف و معالجة المشاکل و تدبیر الشؤون.

فالوحدة دوماً بحاجة ماسة الی وسط جامع، فهي لیست معطیً فطریاً أو واقعاً طبیعیاً، بل هي عمل ثقافي مؤسسي یقتضي بذل الجهد بالعمل علی الذات وتحویلها لكي تخرج من الدائرة الضیقة أو القوقعة لاخانقة. وذلك بإجتراح مایحتاج الیه العمل المشترك. فالإتحاد مع الآخر هو من أجل خلق ما هو جامع أو مشترك أو عام یتیح أو یوسع من إمکانات الحوار والمفاوضة والشراكة والمبادلة والتداول والتفاعل علی نحو مثمرٍ وبنّاء في عصر تزداد معها إمکانات التواصل بین الناس.

إن الإعتراف بحق الآخر و بالفيدرالية و الديمقراطية هي لغة العصر و كذلك الحلول لا تقوم علی نفي الواقع. والوسطیة هي لیست غیاباً للموقف والرأي ولا هي جمع علی سبیل التلفیق، بهل هي أداة لصناعة حیاة مشتركة و فضاء واسع لممارسة حریات التفکیر، بقدر ماهي بیئة حضاریة خصبة للتبادل، أو وسط للمحاورة والمداولة و السجالات والمناقشات والمفاوضات الدائمة.

علیه أن نذّکر رئیس الحکومة الجدیدة، الدکتور عادل عبدالمهدي، أنه من یرید أن یقود مشروع وطني في العراق واجب علیه أتباع سياسة المساواة وخدمة الكل، لا استخدام سیاسة التهمیش و إثارة الأحداث و علیه أیضاً مراعاة أسس الشراكة الحقیقیة في صناعة القرار والتوافق والتوازن بين المكونات في العملية السياسية العراقية.

بالتأكید نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة، إذ لا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة.

إنّ الرئیس بارزاني أكد غیر مرةٍ علی مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي لیشكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية الدستورية المستقبلية وحفّز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وعزّز بسیاسته الحکیمة فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان، فهو یرید أن ینقل هذه التجربة الكوردستانیة الناجحة الی کافة أرجاء العراق، لأنه یدرك جیداً بأننا الآن في زمن الكتروني لا يمهل كثيراً بل هو يهمل اذا لم نحسن التعاطي مع ادواته، لذا نراه یستجیب بتعقل ورؤیة وهدوء للمثیرات المختلفة، ونتیجة لذلك یقرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة الشعب العراقي بشکل عام والشعب الكوردستاني بشكل خاص، مدركاً العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع، مستخلصاً العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة.

أما الماضي فدروسه علمنا بأن من ینشدّ الی الوراء، بدلاً من أن یتوجه نحو الحاضر والراهن والمستقبل ویسعی للخروج من المنطق الإختزالي و السجن العقلي و الحتمیة الأيديولوجية و المكابرة و التهرب من المسؤولية و إنكار الحقائق الصارخة والترويج لجحيم الآلة العسكرية، لا یورث سوی النزاعات الداخلیة والهزائم والمهالك للعراق. علیه یجب أن تنتهي أزمنة القفز فوق الاحداث و نفي المتغيّرات.

وختاماً نقول للحکومة العراقیة الجدیدة و لأحزاب السلطة جمیعاً، جاهدوا في سبیل جعل الحیاة في العراق وبین المکونات المختلفة أقل بؤساً وفقراً وأقل توتراً وعنفاً، لیکون هذا البلد أكثر أمناً ویسراً وأكثر تواصلاً وتضامناً، سواء علی مستوی القومیات أو علی مستوی الدولة و ساهموا بشكل بناءٍ و مثمر في تطویر مفهوم الدیمقراطیة و فتح ممكنات جدیدة أمام العمل الدیمقراطي.